فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 722

وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف ميعادي عند ذي الموعد

الوعد: هو الوعد بخير. والإيعاد: هو التوعد بالشر. فيقول: إذا توعدته أخلفت وعيدي، وإذا واعدته فلا أخلف وعدي.

بكل حال هذا دليل على عظم الذنب، الذي هو إراقة دم مسلم بغير حق، أما إذا كان بحق فإنه جائز؛ لأن في القرآن: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [1] .

ولإباحة قتله ثلاث حالات، هي المذكورة في حديث ابن مسعود المشهور، قوله -صلىلله عليه وسلم-:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"فهذا دليل على أن الذي يفعل واحدا من هذا يحل دمه.

"الثيب الزاني"يعني: الذي زنى وهو محصن، فهذا يقتل حدًا، ولا يكفر بقتله؛ ولهذا يصلى عليه ويكفن، ويدفن في مقابر المسلمين."والنفس بالنفس": قتل القاتل، فإنه من جملة ما أمر الله به، بل قد جاء ما يدل على وجوبه عند طلب أولياء القتيل، استدل بقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [2] .

كتب يعني: فرض عليكم. ولكن هذا فيما إذا طلب الأولياء القصاص؛ ولهذا قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [3] أي أن من طلب القتل"طلب قصاصا"فله، فإذا عفى فأجره على الله.

ولما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، ظن بعض الأعراب أن حرمتها قد زالت؛ فقتل بعضهم بالثأر الجاهلي، قتلت هزيل رجلا بثأر قديم، وقالوا:"زالت حرمة مكة". فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وخطب وأخبر بحرمة مكة، ثم قال:"فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يفدي، فإن أراد الثالثة فخذوا على يديه".

إذا قتل له قتيل فلا يقتل إلا القاتل، أو يأخذ الدية إذا لم يعف مطلقًا، فإذا قال: أريد ما نحن عليه في الجاهلية. بعض الكبائر التي هي له عزة ولها مكانة، فيقتلون بالقاتل واحدا، بل يقتلون أكثر من واحد، وكم قتل كليب، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب، حتى كاد أن يفني بكر بن وائل، ولما أن بعض بني بكر أرسل ابنا له إلى مهلهل، وقال:"اقتله وتنتهي هذه الحرب". فقام وقتله وقال:"هذا بشسع نعل كليب". -يعني: أنه ليس فداء لكليب، إنما هو بشسع نعل كليب- فغضب أبوه، وأنشأ قصيدة طويلة، وهي التي يقول فيها:

قربا مربط النعامة مني ... إن قتل الرجال بالشسع غالي

قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن عيالي

(1) - سورة الأنعام آية: 151.

(2) - سورة البقرة آية: 178.

(3) - سورة البقرة آية: 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت