والقول الثاني: أن له توبة، والدليل ذكر الله -تعالى- كبائر الذنوب في قوله، في سورة"الفرقان": {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [1] أخبر بأنه يقبل توبته، وإذا كان الله -تعالى- يقبل توبة المشرك، فالقاتل بالطريق الأولى؛ لأن القتل دون الشرك، هذا دليل من يقول إنها تقبل توبته.
وذكر ابن القيم: أن القتل تتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله؛ لأن القاتل تعدى حرمات الله، وهذا الحق يسقط بالتوبة الصادقة.
والثاني: حق للأولياء؛ لأن القاتل قتل أباهم، أو قتل ابنهم، أو قتل وليهم، وهذا الحق يسقط بالعفو، أو يسقط بالقصاص، أو يسقط بأخذ الدية.
ويبقى الحق الثالث: وهو حق المقتول الذي قطع عليه حياته، يعني: أماته واعتدى عليه، فله حق على ذلك القاتل.
فإذا كان القاتل قد تاب توبة نصوحا، فإن الله -تعالى- يتحمل حقه، ويعطيه من فضله، ويعفو عن ذلك القاتل. وقد استدل أيضا بقول الله -تعالى-: {* قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ (( (( (( (( (( (عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} [2] .
فأمرهم بأن ينيبوا، يعني: يتوبوا. ولو كانت ذنوبهم كثيرة، وأخبر بأنه يغفر الذنوب جميعًا، يعني: لمن تاب. وإذا كان كذلك، فكيف الجواب عن آية"النساء"، التي أخبر بأن: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) } [3] .
قال بعض العلماء: هذا في حق المستحل الذي يقتله مستحلا له، يعتقد أنه حلال، فإنما من استحل ما حرم الله فقد كفر، إذا استحل شيئا قد حرمه الله، معلوم تحريمه بالضرورة -فإنه يعتبر ضالا أو كافرًا، كذلك أيضًا ... قال بعضهم: إن هذا الوعيد معلق. يعني: كأن الجزاء ليس دائمًا.
يقول ابن جرير:"المختار أن قوله: {فَجَزَاؤُهُ} [4] معلق بشرط". يعني: إن جازاه. فجزاؤه إن جازاه، وإلا فإن الله -تعالى- قد يعفو ويفصح، ولا يجازيه بهذا الجزاء الشديد، سيما إذا ندم وتاب. وقالوا: إنه يمدح بالعفو عن الذنب ونحوه، ولا يمدح بترك الخير، يقول شاعر العرب:
(1) - سورة الفرقان آية: 68 - 70.
(2) - سورة الزمر آية: 53 - 54.
(3) - سورة النساء آية: 93.
(4) - سورة النساء آية: 93.