فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 722

"كتاب الجنايات"هو القسم الرابع والأخير من أقسام الفقه؛ حيث إن الفقهاء قسموه إلى أربعة أقسام: بدءوا"بقسم العبادات"؛ لأنه حق الله على عباده، ثم بعد ذلك"بقسم المعاملات"؛ لأن الإنسان بحاجة إلى تحصيل الحلال من المال الذي لقوته وغذائه، ثم بقسم العقود"النكاح وما يستلزمه"؛ لأنه بعد تحصيله للقوت والغذاء يشتاق على النكاح، ثم بعد ذلك"بقسم الجنايات"؛ لأن الغالب أن من تمت عليه النعمة، يتعدَ ضرره إلى غيره بالقتل، أو بما دون القتل من الجنايات.

الجناية: هي التعدي، جنى على غيره، يعني: تعدى بقتل أو نهب أو جرح أو قدح أو غير ذلك.

ولا شك أنه من المحرمات؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"فالله -تعالى- جعل المؤمنين إخوة، وحرم الاعتداء من بعضهم على بعض، وأمر المسلم أن يذب عن عرض أخيه المسلم، أمره بأن ينصره، بقوله:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"كيف أنصره ظالمًا؟!

تمنعه وتحجزه عن الظلم، فإذا كنت مأمورًا أن تنصره، فإنك منهي أن تضره. وأشد الضرر الاعتداء على بدنه بقتل، أو بجرح، أو بقطع طرف، أو غير ذلك، وهو أعظم الاعتداء؛ ولذلك ورد في الحديث قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء".

يعني: أول ما يقضى بينهم من الاعتداءات في الدماء. أي: في القتل أو الجراح أو نحو ذلك؛ فإنه أعظم الاعتداءات، وأعظم الأضرار أن يعتدي على مسلم بإراقة دمه. تحريم القتل

جاء في القرآن تحريم القتل في مواضع، كقوله -تعالى- في سورة"الأنعام": {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [1] .

يعني: إذا كانت مستحقة القتل. وقال -تعالى- في سورة"الإسراء": {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) } [2] .

أي: لا يزيد ويقتل أكثر من القاتل، بل لا يقتل إلا نفسًا واحدة، وكذلك كون القتل ظلمًا ذنب كبير، اختلف في توبته: هل له توبة؟

روي عن ابن عباس أنه قال: ليس له توبة؛ لأن الله -تعالى- قال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) } [3] .

وعيد شديد على من يقتل مؤمنًا متعمدًا، ولا يدخل النسخ في هذا؛ لأنه من الأخبار، والنسخ إنما يدخل في الأوامر لا في الأخبار؛ فلذلك قال: إنه لا توبة له، ولا بد أن يعذب ويخلد في النار؛ تحقيقًا لهذه الآية.

(1) - سورة الأنعام آية: 151.

(2) - سورة الإسراء آية: 33.

(3) - سورة النساء آية: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت