قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) } [1] أي: ما كان بينهم في الدنيا من الأغلال والأحقاد، لا يدخلون الجنة إلا وقد صفت قلوبهم، وسلمت من الظلم؛ ولذلك نقول: إن على المسلم أن يتورع عن حق إخوانه، فإن الاعتداء عليهم حرام.
ثبت في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع قوله:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"أي محرم بعضكم على بعض أن يعتدي أحد على أحد، وفي حديث آخر أنه قال:"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"ولكن حديث إن هناك من لم يبالِ بالاعتداء على حق أخيه فيضربه بغير حق، أو يقتله ظلمًا، أو ينتهب ماله، أو يختلس منه أو يطمع في شيء من حقه، فيأخذ ظلمًا وعدوانًا فإن هذا بلا شك من أظلم الظلم.
وإذا كان كذلك فلا بد أنه يؤديه في الدنيا، فإن لم يؤده طوعًا أداه كرهًا، وذلك إذا حكم عليه الحاكم بأنه ظالم، وبأن عنده من الحقوق لإخوانه كذا وكذا، فيحكم عليه بدفع تلك المظلمة، وإعطائها لمستحقها كرهًا، ولو بحبس أو بجلد أو نحو ذلك حتى يؤدي الحقوق لمستحقيها، لذلك نصب القضاة والحكام ونحوهم.
حكم نصب القضاة
نصب القضاة فرض كفاية، أي: يكفي في البلد قاض واحد إذا كان يقوم بفصل الخصومات، وإن عجز ضم إليه ثان، وربما إلى ثالث، أو إلى أكثر من ذلك، ولو إلى عشرة أو عشرين، إذا كان البلد متسعة الأطراف، إذا كانت مترامية الأطراف احتيج إلى عدد القضاة، وهكذا.
أيضًا إذا كثرت الخصومات، وكثرت المنازعات فإن على ولي الأمر أن ينصب في كل قطر قاضيًا، فهي فرض كفاية كالإمامة، الإمامة التي هي الخلافة، نصب الخليفة أو الملك نصب ملكا يتولى أمور المسلمين، هذا من فروض الكفاية. الإمام الذي هو الملك مسئول عن نصب القضاة، فعليه أن ينصب في كل إقليم قاضيًا، أي في كل قطر، وفي كل جهة ينصب قاضيًا، إذا كان كافيًا، فإن لم يكف زِيد بقدر الكفاية.
ويختار أفضل من يجد علماُ وورعًا؛ وذلك لأن القاضي يتولى أمور الناس، ويسمع أقوالهم فلا بد أن يكون عالمًا، أما إذا كان جاهلًا فإنه لا يعرف الحكم، ولا يدري ما يحكم به، فيكون في ذلك غير قائم بما أوجب الله.
العالم هو: العالم بكتاب الله تعالى، وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وبأحكام الحكام قبله، وبالآثار عن الصحابة -رضى الله عنهم- في أمور القضاء، وما إلى ذلك كذلك الورع هو الزاهد التارك للمتشبهات بحيث إنه يتورع عن أن يظلم أحدًا إذا لم يكن ورعًا خشي أنه يميل مع هذا لصداقته، ومع هذا لقرابته، ومع هذا لمعاملته، فيظلم الناس بغير موجب.
وفي الأثر: شر الناس من ظلم الناس للناس، يعني يظلم هذا لأجل هذا، ولا مصلحة له هو إذا لم يكن ورعًا، لا بد أن يكون من أهل الورع يحمله ورعه على أن يحكم بالعدل، ويأمره بالتقوى وتحري العدل.
يأمره بالتقوى، يوصيه بتقوى الله، التقوى: كلمة جامعة يدخل فيها فعل الأوامر، وترك الزواجر، فعل الخيرات، وترك المنكرات.
وتطلق على التوقي، التقوى مشتقة من التوقي، وهو: أن يجعل بينه وبين الحرام وقاية، فيقول: عليك بتقوى الله أي: الخوف منه، ومن عقوبته، ويقول أيضًا كما في الحديث:"اتق دعوة المظلوم"هكذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا، يعني: توقها"اتق دعوة المظلوم"لا تظلم أحدًا، لا لنفسك ولا لغيرك، قاله لمعاذ؛ لأنه أرسل معاذًا إلى اليمن داعيًا وقاضيًا وجابيًا وهاديًا.
أرسله بأربع وظائف، فأرسله للدعوة إلى الله، وقال:"فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله ..."إلى آخره، وأرسله جابيًا للزكاة وقال له:"إياك وكرائم أموالهم"جامعًا للزكوات ونحوها، وأرسله قاضيًا، وسأله"كيف تقضي؟ قال: بكتاب الله ..."إلى آخره.
(1) - سورة الحجر آية: 47.