فهرس الكتاب

الصفحة 717 من 722

وأمر الله الحكام عمومًا بالعدل في مثل قوله تعالى في سورة النساء: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [1] وفي سورة النحل: {* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [2] أي: المساواة، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ المظلمة من المظالم، وكذلك الانتصار للمظلوم ونصره على من ظلمه، ونصرة الظالم بنصيحته.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قال يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه وتحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه"أي تأخذ على يديه، وتمنعه من أن يأخذ ما لا يستحقه، وتمنعه من الاعتداء على حق أخيه، وتخبره بأن ما أخذ من حق مسلم -وهو لا يستحقه- فإنه يؤخذ من حسناته يوم القيامة.

تذكرون الحديث الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -"لتؤدَّين المظالم حتى ينتصر للشاة الجماء من الشاة القرناء".

تؤدى من المظالم أي الشاة يعني الواحدة من الغنم إذا كانت جماء، ليس لها قرون نطحتها الأخرى التي لها قرون وآلمتها، فلا بد أن الله تعالى يأخذ حق هذه من هذه، إذا كان هذا بين البهائم، مع أنها لا تكليف عليها، فبطريق الأولى أن الإنسان المكلف، الذي هو عاقل وبالغ وعارف، ومع ذلك يأخذ حق غيره، ويعتدي على ما ليس له، ويظلم الناس؛ ولذلك قال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [3] السبيل يعني: الحجة عليهم {يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ} [4] الذي يحملهم على هذا البغي قلة الإيمان، ضعف إيمانهم؛ وذلك لأنهم لو كانوا مؤمنين حقًا لحجزهم إيمانهم الذي في القلوب من الاعتداء على حق مسلم بغير حق.

وقد يحجزهم أيضًا الشرف، وحب المال والطمع، مثل الاستكثار لا شك أيضًا أن هذا مما يحمل كثيرًا من الناس على أن يعتدي على حق أخيه فيأخذه بغير حق فيكون بذلك ظالمًا ومسيئًا في أخذ ما لا يستحقه، وكذلك أيضًا قد يحملهم قلة الورع. الورع هو: التوقف عن الشيء المشتبه، وقد كان السلف -رحمهم الله- يحملهم الورع والخوف عن أن يتعدوا أو يأخذوا الشيء المشتبه، بل إذا كان هناك شيء مشتبه يخشون أن فيه حرامًا أو قريبًا منه تركوه كله.

وقد كتب للإمام أحمد -رحمه الله- رسالة صغيرة مطبوعة اسمها:"الورع"، إذا قرأتها تعرف ما كان عليه الإمام أحمد،، وكذلك غيره من أهل زمانه من شدة التورع عن ما ليس بحق له، فإذا عرف الإنسان أن هذا حق مسلم فعليه أن يتجنبه، ولا يأخذ مالا يستحقه ظلمًا، فإنه ولا بد سينتقم منه، وسيؤخذ منه.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من يأتي بأعمال كثيرة ويأتي وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيؤخذ لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت أخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليه ثم طرح في النار".

فالمظالم لا بد أن تؤخذ، أن يؤخذ منها، أن يؤخذ للمظلوم من الظالم، حتى ولو دخلوا الجنة.

ورد في الحديث أنهم إذا نزلوا من الصراط"وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض في مظالم كانت بينهم فإذا هُذِّبوا أو نُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة"أي: لا يدخلون الجنة وبينهم أحقاد، وبينهم مظالم، وبينهم شنآن وعداوات، بل يدخلون الجنة بعدما تصفى قلوبهم.

(1) - سورة النساء آية: 58.

(2) - سورة النحل آية: 90.

(3) - سورة الشورى آية: 42.

(4) - سورة الشورى آية: 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت