ويحكم بالبينة بعد التحليف، وشُرط في بينة عدالة ظاهرًا، وفي غير عقد نكاح باطنًا أيضًا، وفي مزكٍّ معرفة جرح وتعديل، ومعرفة حاكم خبرته الباطنة، وتقدم بينه جرح.
فمتى جهل حاكم حال بينة طلب التزكية مطلقًا، ولا يقبل فيها وفي جرح ونحوهما إلا رجلان.
ومن ادعى على غائب مسافة قصر، أو مستتر في البلد، أو ميت، أو غير مكلف ولا بينة، سُمعت وحكم بها في غير حق الله تعالى، ولا تُسمع على غيرهم حتى يحضر أو يمتنع.
ولو رُفع إليه حكم لا يلزمه نقضه لينفذه لزمه تنفيذه.
ويُقبل كتاب قاض إلى قاض في كل حق آدمي، وفيما حكم به لينفذه، لا فيما ثبت عنده ليحكم به، إلا في مسافة قصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ذكروا القضاء في آخر كتاب الفقه، وذكروا الشهادة والإقرار؛ لأنها التي يعتمدها القاضي؛ ولأن الغالب أن الإنسان إذا تمت عليه النعمة، يعني: حصل على المال، وحصل على النكاح فلا يؤمن أن يتعدى على غيره، وأن يغلبه الطمع في حق الغير؛ فلذلك تكثر الخصومات والمرافعات، فتجد عند القضاة عدة قضايا، وذلك من آثار الاعتداء، ومن آثار الطمع، ومن آثار الظلم، ولو أن كلًا اقتصر على حقه لاستراح القضاة ونحوهم.
وهكذا أيضًا لو أن الإنسان تورع عن الشيء المشتبه وتركه، ولم يطالب به، إذا كان الحق الذي يدعيه ليس شيئًا واضحًا لَقَلَّت الخصومة وقَلَّت القضايا، ولما كانت الخصومات واقعية، وكانت المرافعات والمنازعات منتشرة في كل البلاد غالبًا، وكان هناك اعتداءات ومظالم، وأخذًا للحقوق بغير حق احتيج إلى نصب القضاة؛ ليحكموا بين الناس.
وقد كان من الأنبياء قضاة، مثل: داود قال الله تعالى في سورة ص: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} [1] يعني: حاكمًا {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [2] احكم بين الناس بالحق عندما يتخاصمون جعله الله تعالى خليفة في الأرض، وأمره أن يحكم بين الناس.
وكذلك أمر الله تعالى نبيه بالحكم حتى بين اليهود كان خيره {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [3] ثم قال: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [4] ثم قال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ} [5] فأمره الله أن يحكم بينهم بالعدل أي: بالقسط.
(1) - سورة ص آية: 26.
(2) - سورة ص آية: 26.
(3) - سورة المائدة آية: 42.
(4) - سورة المائدة آية: 42.
(5) - سورة المائدة آية: 49.