ثم إنه أفرد هذا القدر، وطبعه في رسالة مستقلة، في قتل الشارب بعد الرابعة، وقال: إنه لا عذر لأحد في ترك العمل به، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قتله بعد الرابعة قد يكون لعذر، قد يكون ذلك الذي جلده ثلاث مرات أو أربع لم يكن متهاونا، ولم يكن من المتساهلين، ولعل له عذرا، وهو واحد، وقصة واحدة.
ولا يبطل -لأجل هذه القصة- العمل بأحد عشر حديثا، مروية من عدة طرق، يقوي بعضها بعضا، بمجموعها يكون كالمتواتر. فلا عذر لأحد من المفتين والعلماء، أن يتركوا العمل بهذا الحديث، سيما في الأزمنة المتأخرة، التي تساهل الناس فيها بشرب الخمر، وصاروا لا يبالون، ويجلد أحدهم ثم يعود.
ويذكر الآن أن بعضهم جلد عشر مرات، وربما إلى عشرين، ومع ذلك يخلى سبيله، أو يسجن أياما ثم يخلّى سبيله، وحيث إن عندنا هذا الحديث، الذي يأمر فيه بقتله نقول: إن ترك العمل به تهاون وتساهل، حيث وجد سببه، فلا عذر لأحد إذا أفتى بعدم قتله، مع وجود الأحاديث. ولو قتل واحد لارتدع كثيرون، فإنه إذا كان الحد شديدا، صار بذلك رادعا لأولئك الكثير، الذين يتعاطون شرب الخمر بالعشرات، وبالمئات وبالألوف، يوميا أو أسبوعيا، ولا يبالون.
يقول:"وكل شراب مسكر يحرم مطلقا". بشرط أن يكون مسكرا. ذهب الحنفية إلى أن الخمر تختص بعصير العنب، وقالوا: إنه الخمر المعروف، وأما بقية ما يعصر، من المأكولات ونحوها، فلا يسمى خمرا، ولا يحرم عندهم إلا إذا بلغ حد الإسكار.
وخالفهم في ذلك الجمهور، الذين يرون أنه خمر، من أي شيء صنع، وذكر عن عمر-رضي الله عنه- أنه قال:"إن الخمر من خمسة"-يعني في العهد النبوي- يقول:"إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من الشعير خمرا، وإن من الذرة خمرا". يعني: ما عصر من هذه، وبلغ حد الإسكار، فإنه يسمى خمرا. فلا يجوز شربه، ولو كان قليلا.
ودليل ذلك أيضا، الحديث الذي يمكن أنه متواتر، ولفظه"كل مسكر حرام كل مسكر خمر"وقصة أبي موسى، لما ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنواعا من الأشربة في اليمن، منها ما يسمى"البتع"، ومنها ما يسمى"المذر". وذُكر لعمر شرابا يسمى"الطلاء"يشرب في مصر، فكلها ألحقوها بالخمر.
لما سأل أبو موسى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البتع فقال:"أمسكر هو؟ قال: نعم. قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام"فيحرم شرب المسكر. استثنوا من ذلك إذا كان لدفع لقمة غص بها، مع خوف تلف، ولم يجد ما يدفعها إلا بكأس خمر. ويقدم عليه بول، إذا وجد بولا، ووجد خمرا، فأيهما يدفع به هذه الغصة؟ يدفعها بالبول. فإذا لم يجد إلا الخمر، دفعها به، وعفي عنه.
هكذا يمثلون، مع أن هذا نادر، يعني: نادر أن لا يجد إلا خمرا؛ لأنه يجد المياه، ويجد الألبان، ويجد العصيرات المباحة، يدفع بها هذه اللقمة التي غص بها. وإنما ذكروا ذلك تقديرا، يعني: لو قُدر أنه ما وجد إلا خمرا، فله أن يشرب منه جرعة، يدفع تلك الغصة. شروط شارب الخمر
ثم يقول:"فإذا شربه، أو احتقن به مسلم مكلف مختار، عالما أن كثيره يسكر، حد حر ثمانين، وقِنٌ نصفها".
الإحتقان: كونه يحتقن بها مع أنفه مثلا، أو مع شدقه، يعني: أدخل طرف أو حافة المحقن في شدقه وصبها. وقد يراد بالاحتقان: لو أدخلها مع دبره، صدق عليه أنه أدخلها إلى جوفه.
اشترطوا الشرط الأول: أن يكون مسلما؛ وذلك لأن أهل الذمة يستبيحون شرب الخمر -اليهود والنصارى- كما في قول الأخطل:
ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح
يعني يفتخر بأنه سيشربها.
الشرط الثاني: أن يكون مكلفا. المكلف: هو البالغ العاقل. فإذا كان صغيرا لا يعرف، أو كان مجنونا لا يعقل، فلا حد عليه؛ لأنه غير مكلف.