به إلا في اليابسات، والقول الثاني: أنه يصح بيعه، ويصح الانتفاع به، في اليابس وفي الرطب، وما أشبه ذلك. فعلى هذا يصح بيعه ويصح وقفه.
فإذا دبغت جلد الميتة، وجعله سقاء أو قربة يبرد فيها الماء، صح وقفه؛ لأنه يطهر بالدباغ. فيصح وقف القرب التي يبرد فيها الماء، أو ينقل فيها الماء فينتفع بها من يحتاج إليها، ولو كانت من جلود الميتة.
أما جلود ما لا يؤكل لحمه، كجلد حمار أو جلد كلب، فهذا لا يصح بيعه ولا يطهر بالدباغ -على الصحيح- فلا يصح وقف مثله حتى فراشًا، ورد النهي عن افتراش جلود النمار؛ لأنها سباع والسباع معلوم أنها محرمة الأكل؛ فلا يصح بيع جلودها، ولا يصح وقفها. وتقدم أنه لا يصح بيع الحشرات؛ فلا يصح وقفها إلا إذا كان لها قيمة مثل: النحل يصح بيعه، ولو كان من الحشرات؛ وذلك لأنه ينتفع به.
ثم الشيء الذي لا ينتفع به، أو نفعه محرم لا يصح وقفه. معلوم - مثلا - أن آلات الملاهي نفعها محرم، فلو قال: احتسب وأسبل هذه الطبول، أجعلها لهؤلاء الذين يلعبون في أيام الأعياد أو في أيام الأفراح، أجعلها وقفًا -لا يجوز؛ وذلك لأنها محرم الانتفاع بها. وكذلك جميع آلات الملاهي: كالعود الذي يلهى به، والطنبور -نوع من الملاهي- والرباب، هذه كلها يحرم بيعها ويحرم تسبيلها.
وكذلك كتب الإلحاد، وكتب الضلال، والمجلات الخليعة، لو احتسب إنسان وقال: أنا أشتري هذه المجلات، وأسبلها في هذه المكتبة -مع أنها مليئة بالضلال وبالصور الهابطة ونحو ذلك- أو قال: أسبل هذه الأفلام التي فيها هذه الصور، أجعلها في هذا المكان وقفًا يتفرج عليهًا من يريد أن يتفرج، أو هذه الأشرطة الغنائية أسبلها. هل له أجر؟ أم عليه وزر؟
لا شك أن عليه وزر. فكل شيء لا يصح بيعه لصفة فيه فإنه لا يجوز وقفه؛ لأن ذلك يعتبر إعانة على المحرم، وهكذا جميع ما يستعان به على المحرم.
الشرط الثاني:"أن يكون على بر": أن يكون الوقف على بر. مثل في الحاشية:"ما إذا وقف على المساكين والمساجد والقناطر والأقارب -القناطر جمع قنطرة وهي: الجسر الذي يجعل على النهر؛ حتى يعبر الناس من جانب إلى جانب- فإصلاح هذه الجسور إذا خربت فيه نفع للمسلمين."
فإذا قال: أجرة هذا الدكان تعمر بها المساجد، فهذا عمل بر. أو: أجرته لإصلاح هذا المسجد: إصلاح فرشه، أو إصلاح مكيفاته، أو إصلاح أنواره، أو إصلاح مكبراته. فهذا عمل بر، يثاب على ذلك.
وكذلك إذا كان على المساكين. وقف هذه الدكاكين، وجعل أجرتها تفرق على المساكين: مساكين هذه البلد، أو مساكين القبيلة الفلانية، أو أقاربه ونحوهم، فهذه من أعمال البر.
إذا عرفنا ما هو على بر، فقد تقول: ما مثال الذي ليس على بر؟. ذكرنا أمثلة -والأمثلة كثيرة- فإذا قال: غلته - مثلا - يسرج بها هذا القبر الذي يعبد، أو يبنى بها على هذا القبر مشهد الذي يكون هناك من يعبده ومن يصلون عنده أو يدعونه، فهذا عمل إثم. ولا عبرة بمن يفعله.
فيذكرون أن الرافضة في العراق وغيره أكثر أوقافهم على كربلاء وعلى النجف، يدعون أن كربلاء فيها قبر الحسين والنجف فيه قبر علي، فهم دائمًا أوقافهم على ذلك، فيوقفون السرج والأنوار، وكذلك -أيضا- يوقفون على عمارة الطرق وسفلتتها من هنا إلى هنا؛ حتى يصلوا إلى هذا المشهد وهذه المعابد.
ويوقفون على تنوير الطرق، وكذلك على عمارته إذا انهدم وترميمه إذا طالت مدته، بل يوقفون على من يخدم من يزورهم -من يزور هذه المشاهد- كيف ذلك؟ يقولون: أنت يا هذا خادم لهؤلاء الذين يزورون هذا المكان ويطوفون به، وأجرتك وراتبك من هذه الأوقاف، تخدمهم. حتى من يخدمهم بحلق رءوسهم كأنهم محرمون ثم يتحللون، أو يحلقون لحاهم أو ما أشبه ذلك.
فهل هذه الأوقاف يؤجرون عليها؟ وهكذا كثير من الذين يوقفون أوقافًا كثيرة على إسراج القبور، أو على صب ++ عليها، أو على ضيافة من يعتكف عندها أو من يطوف بها أو ما أشبه ذلك. فهذا وقف على إثم ليس وقفًا على بر، فإن الوقف هو الذي يقصد به الأجر الأخروي. وأما إذا كان هذا يقصد به الإثم؛ فإنه يعتبر مساعدة على الإثم، ويصير الذين وقفوا شركاء في الإثم، متعاونين على الإثم والعدوان.
فأنواع البر كثيرة، وأنواع الموقوفات -أيضا- كثيرة. فكثير من المسلمين يحرصون على أن يكون هناك ما ينتفع به إخوانهم العاجزون؛ فيوقفون ما يساعدهم على قضاء حوائجهم. أدركنا قبل خمسين سنة أو نحوها أنهم يوقفون أشياء تمس إليها الحاجة، حتى يوقفوا السكين على من يذبح بها أضحية أو نحوها لا يجد ما يذبح به.