من الشروط -أيضا-"أن يكون على معين يملك": إلا المسجد إذا وقف على مسجد فالمسجد لا يملك، ولكن يصح الوقف عليه، ولكن لا بد أن يوكل من يصلحه فلو قال: وقفت هذا الدكان على هذا المسجد. المسجد لا يملك، ولكن لا بد من وكيل يؤجر الدكان ويقبض الإيجار، ويرمم المسجد ويصلح ما وهى منه، فيصلح أنواره أو يدفع أجرة من يخدمه، أو ما أشبه ذلك.
المسجد جماد، ولكن لا بد من إنسان يتولى إصلاحه والإشراف عليه، فهذا في المسجد. وكذلك في المقبرة، لا بد أن يكون هناك وكيل يصلحها و يفتح الأبواب و ما أشبه ذلك، فيكون هذا وقفًا على شيء لا يملك، ولكنه يحتاج إلى من يتولى أمره.
وكذلك القناطر، إذا وقف على القناطر التي هي: الجسور التي يعبر بها من مكان إلى مكان -هذا يصح. أما غيره -غير المساجد- فلا بد أن يكون على معين يملك، على معين إلا معين بالذات أو معين بالوصف، ولا بد أن يكون ذلك المعين يملك.
فالمعين بالذات: كأن يقول: هذا وقف على أولادي. كثير من الناس يجعل هذا البيت وقفًا على أولاده، أو على أولاده الإناث تسكنه من هي محتاجة، ولا يباع، فهذا معين، ابنته أو بناته هذا معين. أو يقول: يسكنه من لا يملك سكنًا من أولادي بدلًا من أن يستأجر، أو غلته وأجرته تقسم على أولادي أو على ذوي الحاجة منهم. فمثل هذا -أيضا- معين يملك.
وأما غير المعين فيصح إذا عين بالوصف. كأن يقول: على المساكين. غير معين، يعتبر هذا مسكينًا وهذا مسكينًا، على المساكين على الفقراء على المجاهدين، غلة هذا العقار أو ثمرة هذا النخل على الصوام ونحوهم. هذا غير معين، ولكنه معين بالوصف. وكذلك إذا قال: على ذوي الحاجة من أسرة أو من القبيلة الفلانية. كل هذا معين بالوصف.
ولا بد أنه يملك. يعني: يمكنه أن ينتفع بهذه العين ويشاهد انتفاعه بها. وأما الذي لا يشاهد فلا يجوز، إلا إذا وقفه - مثلا - على تجهيز الأموات يقول: أجرة هذه الدار أو الدكان في تجهيز الأموات، يشترى بها أكفان وحنوط وأجرة حفارين. فمثل هذا -أيضا- يملك وإن لم يكن ملكًا صحيحًا.
فأما ما لا يملك فلا يجوز. مثاله: هؤلاء القبوريون يوقفون على ذلك القبر، القبر ميت لا يملك. فيقولون: وقف على السيد فلان، على سيدي فلان، على الرفاعي، أو على سيدي عبد القادر، على سيدي البدوي. ماذا يفعل بهذه الأوقاف؟ أوقاف طائلة توقف على هؤلاء الأموات، يتلاعب بها الذين يتولونها.
ثم يمثلون -أيضا- لمن لا يملك بما لو قال: وقف على المؤمنين من الجن؛ لأنهم لا يملكون كملك البشر ولو أنه خصص المؤمنين. أو قال: وقف على الملائكة، الملائكة ليسوا من جنس البشر ولا يملكون ملك المشاهدة. فلا بد أن يكون الوقف على معين، وأن يكون ذلك المعين يصح تملكه وانتفاعه.
الشرط الرابع:"كون الواقف جائز التصرف": فلا يصح من محجور عليه. فلو كان الواقف سفيهًا أو محجورًا عليه بفلس كالمفلس الفقير الذي كثرت الديون عليه، أو من كان صغيرًا لم يبلغ ولم يعرف، فمثل هذا لا يصح وقفه حتى يبلغ ويعقل ويفك حجره وما أشبه ذلك.
الشرط الخامس:"أن يكون الوقف ناجزًا": فلا يصح أن يكون وقفًا معلقًا ولا محددًا. الناجز: هو الذي يخرجه من ملكيته في الحال. يقول: وقفت هذا الكتاب، يخرج من ملكيته. وكذلك: وقفت هذه الدار، خرجت من ملكيته. وقفًا ناجزًا.
غير الناجز: هو المعلق. فلو قال: - مثلا - إذا أغناني الله عن داري فهي وقف. متى؟ لا يعلم فهذا وقف غير ناجز. فلا ينجز إلا إذا نجزه وقال: قد وقفته قد أخرجته من ملكي وأصبح وقفًا. أو يقول - مثلا: إذا قضيت ديني أوقفت دكاني، أو أوقفت هذه الأرض مسجدًا. هذا -أيضا- معلق فلا يصح إلا إذا كان منجزًا.
وكذلك -أيضا- لو وقفه زمنًا محددًا لم يصح. لو قال: - مثلا - وقفت هذا المكيف مدة الصيف. لا يسمي وقفًا، بل يسمي عارية؛ لأنه في هذه الحال إذا انقضي الصيف يأخذه، فلا يسمي وقفًا. الوقف لا بد أن يكون منجزًا تنقطع عنه علاقات الواقف، يقصد بذلك ثبوت الأجر عليه.
هذه خمسة شروط:
الأول: كونه ذي عين معينة معلومة. والثاني: كونه على بِرٍّ. والثالث: كونه على معين يملك. والرابع: كون الواقف نافذ التصرف. والخامس: كون الوقف ناجزا.