عندهم الوفاء بنذر الصلاة؛ لأن منها ما هو فرض والوفاء بنذر الصوم؛ لأن هناك صوم الفرض والوفاء بالصدقة؛ لأن هناك زكاة الفرض والوفاء بالحج إذا نذره.
وأما الاعتكاف فلا يجب عندهم والصحيح أنه يجب لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -"من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"فإذا نذر طاعة وجب عليه الوفاء، والاعتكاف طاعة فيجب عليه الوفاء سواء كان النذر مطلقا، أو معلقا، فإذا قال مثلا: إن رزقت ولدا فلله عليَّ أن أعتكف عشرا في هذا الشهر"ثم رزق ولدا وجب عليه الوفاء وذلك؛ لأنه ألزم به نفسه وتحقق الشرط."
وكذلك إذا لم يعلق بأن قال ابتداء:"لله عليَّ أن أعتكف في هذا الشهر يوما، أو عشرا، أو نحو ذلك"ثم اختلف في أقل الاعتكاف أقل مدته فقيل: يكفي أن يعتكف ساعة، ستين دقيقة، وقيل: أقله يوم، أو ليلة، ولعل هذا هو الأقرب.
وذلك لأن في حديث عمر - رضي الله عنه - أنه قال:"يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف يوما في المسجد الحرام"وفي رواية"ليلة فقال:"أوف بنذرك""فعلى هذا أقل مدة للاعتكاف اثنا عشر ساعة يوم بدون ليلة، أو ليلة بدون يوم.
فأما اعتكاف ساعة فلا يسمى اعتكافا؛ لأن الاعتكاف في الأصل هو طول الملازمة طول الإقامة في المكان الذي يجلس فيه، قد كان المشركون يعكفون عند معبوداتهم كما في قولهم: {نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) } يقيمون عندها يوما، أو أيام.
وكذلك قول إبراهيم -عليه السلام-: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) } والحاصل أنه إذا أراد أن يعتكف فلا أقل من يوم، أو ليلة ثم إذا نذره في مسجد غير المساجد الثلاثة لن يلزمه فيه، بل يجوز في غيره. مثال ذلك: إذا نذرت وقلت: لله عليّ أن أعتكف في هذا المسجد يوما لا أخرج منه"جاز لك أن تعتكف في المسجد الثاني الذي يقع جنوب، أو يقع شمال جاز لك أن تعتكف في كل مسجد يوم؛ لأن القصد هو العبادة، والمسجد ليس له مزية، ليس لهذا مزية على هذا، كلاهما كلها مساجد تصح فيها العبادة."
أما إذا خص المساجد الثلاثة فإنه يلزمه فيه المساجد الثلاثة هي التي تشد إليها الرحال فمن عيَّن أفضل لزمه أفضل المساجد الثلاثة المسجد الحرام؛ لأن الصلاة فيه بمائة ألف ثم يليه المسجد النبوي الصلاة فيه بألف، ثم المسجد الأقصى الصلاة فيه بخمسمائة.
روي أن رجلا قال:"يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أعتكف في المسجد الأقصى، أو أن أصلي في المسجد الأقصى فقال: صلها هنا"يعني مسجد مكة يعني أنه أفضل إني نذرت في ذلك المسجد ... كرر ذلك عليه ثم قال:"شأنك إذا"إذا اخترت ذلك فلك ذلك، فمن نذر أن يعتكف، أو يصلي في المسجد الأقصى جاز له أن يقضي نذره، أو صلاته في المسجد النبوي؛ لأنه أفضل، ومن نذر أن يصلي، أو يعتكف في المسجد النبوي جاز له أن يصلي أو يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل.
ومن نذر أن يصلي، أو يعتكف في المسجد الحرام لم يجرئه في غيره؛ لأنه ليس هناك ما هو أفضل منه، فأما المساجد الأخرى فإن بعضها ينوب عن بعض. إذا نذر مثلا أن يصلي، أو يعتكف في المسجد النبوي، فلا يقوم غيره مقامه، فإن نذر أن يعتكف، أو يصلي مثلا في مسجد قباء، جاز أن يصلي، أو يعتكف في غيره من المساجد في المدينة مثلا، أو في مسجد دمشق المسجد الأموي في الشام، أو مسجد عمرو بن العاص في مصر مثلا، وقال: هذا مسجد له مزية وهو قديم يجزئ في غيره من بقية المساجد.
والحاصل أنه إذا نذر في مسجد غير الثلاثة صلاة أو نذرا، فإنه يجزئه في غيره، وأما في الثلاثة فلا بد أن يجزئ في أحدها، وإن عيَّن الأفضل لم يجزئه في غيره، الأفضل هو مسجد مكة المسجد الحرام، أفضل المساجد، المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي - صلى الله عليه وسلم - ثم المسجد الأقصى، مسجد بيت المقدس.