عرضت عليه ستون ألف مسألة أجاب عنها من حفظه بأخبرنا فلان، حدثنا فلان، لم يرجع إلى الكتب ولا إلى الصحائف، ولما كان كذلك كان هو إمام أهل السنة، مذهبه أقرب المذاهب إلى الحق وإلى السنة.
العلماء الآخرون لا نبخسهم حقهم، نقول: إنهم على خير، فأبو حنيفة -رحمه الله- قليل الحفظ، لم يُذكر بالحفظ ولا بالأحاديث، ولكنه كان قوي الفهم، وقوي التعليل، معرفته بالأدلة وبكيفية الاستدلال أمر يفوق به غيره، اهتم تلامذته بتسجيل مسائله التي سئل عنها، سجلها تلامذته أبو يوسف ومحمد، ثم اشتهر مذهبه بسبب تلك الكتب التي سجلوا بها مذهبه.
أما الإمام مالك فهو -بلا شك- محدث وحافظ، ولكنه لم يتوسع، إنما حديثه ما رواه عن أهل المدينة، وما حفظه عنهم، ومع ذلك فإنه أيضا قد استنبط أحاديث، واستنبط مسائل، ألف كتابه الموطأ، وذكر فيه أيضا كثيرا من الآراء التي نقلها أهل المدينة، وتتلمذ عليه بعض التلامذة، فألفوا من مسائله، وعمدتهم في مذهبه النقل، اشتهر مذهبه، واشتهر الذين تمذهبوا به، ولكنهم اشتهروا في المغرب.
أما الشافعي -رحمه الله- فهو أيضا تتلمذ على مالك، وأخذ عنه الموطأ، وكذلك أيضا أخذ عن غيره، ولكنه لم يكن من أهل الحفظ، ومعرفة الصحاح من الأحاديث؛ ولذلك كان يقول لتلميذه الإمام أحمد: إذا صح الحديث عندكم فأخبرنا حتى نعمل به، ولكنه رزقه الله تعالى الفهم، فهو يستنبط كما تدل على ذلك كتبه التي كتبها والتي أملاها، فكتبُه كتبُ فقه.
أما الإمام أحمد فلم يكن يكتب الفقه، وإنما يكتب في الأحاديث، أو يكتب في العقيدة، وكره كتابة الفقه والمسائل الفقهية، وأحال تلامذته على أن يأخذوا من حيث أخذ.
ولعل السبب أنه رأى أن كثيرا من الذين كتبوا اختلفوا، فمثلا كتبُ أبي حنيفة فيها خلاف لمن بعده، كتب مالك فيها خلاف لمن قبله وبعده، كتب الثوري أو مسائل الثوري كذلك، وهكذا.
ومع ذلك فإن تلامذته كتبوا مسائله، كتبوا مسائله التي نقلوها عنه شفاها والتي حفظوها أكثر من ثلاثين مجلدا، يوجد بعض منها: كمسائل أبي داود، ومسائل ابنه صالح، ومسائل ابنه عبد الله، ومسائل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، وغيرها.
ولكن أكثرها لم يوجد، ولكن حُقِّقت أو أخذت، وذلك لأن الإمام الخلّال أبا بكر تتبع مسائل الإمام أحمد، وجمعها في الجامع الكبير ورتبها، وقال: نقل ابن حنبل كذا، ونقل ابن منصور كذا، ونقل المرزاقي كذا، ونقل ابن هانئ كذا، تحت أبواب، وبلغت نحو عشرين مجلدا.
ثم جاء بعده ابن حامد وجمعها أيضا، وجمع ما فات على الخلّال، واجتمعت له عوج مسائل كثيرة.
ثم كاد مذهب أحمد أن ينطمس وينمحي؛ وذلك لأن القرن الرابع كان أهله تركوا العقيدة السلفية، واعتنقوا مذهب الأشعري، ومذهب الكرامية، ومذهب الكلابية، واشتهر أيضا مذهب الاعتزال، وأصبح كلام أحمد ومذهب أحمد غريبا، وأصبح من تمذهب بمذهبه يُتهم بأنه مشبه، وبأنه ممثل، وبأنه حشوي، وبأنه، وبأنه.
فقلّ أصحاب أحمد، وقلّ الذين اعتنقوا مذهبه، وصاروا لا يخرجون، ولا يصرحون بمذهبهم إلا خفية، وفي ذلك الزمان ألف الخرقي مختصره، وهو من أهل العراق، ثم انتشر مذهب الاعتزال ومذهب الرفض هناك، فهرب إلى الشام، وبقي هناك في الشام حتى مات، وكان المذهب هناك أكثر -يعني في الشام-.
توارث أهل الشام مذهب الإمام أحمد، ويوجد أيضا في العراق، ويوجد في مصر، ولكنه قليل، ومازال كذلك إلى هذه الأزمنة أن الحنابلة أكثر ما يوجدون في الشام، في حلب، وفي دمشق، وفي بعلبك، ونحوها.
ثم كان أهل نجد جَهَلة يذهبون ويتعلمون، فمن ذهب إلى مصر تعلم مذهب الشافعي، ومن ذهب إلى الشام تعلم مذهب الحنابلة، ومن ذهب مثلا إلى تركيا ونحوها تعلم مذهب الأحناف.
إذ كان أئمة الدعوة حنابلة؛ لأنهم يتعلمون هذا المذهب من علماء الشام، وكان في الشام حنابلة إلى العهد القريب، من آخرهم الحنبلي المشهور بابن بدران، الذي خدم أيضا المذهب الحنبلي.
وكان منهم أبو عبد الله محمد بن بدر الدين البلباني من علماء الحنابلة في القرن الحادي عشر، ألف كتابا له سماه:"كافي المبتدي"، اشتهر هذا الكتاب كأنه متن، ورأى أن فيه زيادة أو ترتيبا أحسن مما قبله كزاد المستقنع ونحوه، ثم اختصره وسماه:"أخصر المختصرات"، وكلاهما لهذا المؤلف: البلباني.
كافي المبتدي شرحه أيضا معاصر للمؤلف، وهو أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي ثم الحلبي، وسمى شرحه:"الروض الندي لشرح كافي المبتدي"، وهو مطبوع في مجلد كبير.