فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 722

والدين يعم قيم السلع، وعوض المتلفات، ويعم أيضا الدين بصداق الحال، أو ما أشبهه، وقد ورد التحذير من التهاون بالديون، ديون الناس التي تتعلق بالذمة، ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"

يعني: من أخذها دينًا أو قرضًا مثلًا، أو أخذها ليتجر فيها وهو يريد إتلافها أتلفه الله، وإن كان ناصحًا وفقه الله لأدائها، ولا شك أن الدين غرم يتعلق بذمة الإنسان، ولذلك قال الله -تعالى-: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) } {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) } المغرمون هم المدينون.

يعني يقول: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} يعني: زرعكم، {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) } أي: تتكلمون وتقولون: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) } فدل على أن الغرم من جملة ما يتألم لأجله، وكذلك ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يستعيذ في آخر صلاته، فيقول:"اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب ووعد فأخلف"

وهذا حق، إن الإنسان إذا كان عليه دين، وجاءه صاحبه اضطر إلى أن يكذب ويقول: سأوفيك بعد قليل، أو سأعطيك فيكذب بذلك، أو يعده شهرا، أو نصف شهر، ثم لا يستطيع فيخلف الوعد، وقد عد النبي --صلى الله عليه وسلم-- خلف الوعد، والكذب من خصال المنافقين، فعلى هذا يستعاذ بالله من المغرم، أي: من تحمل ديون الناس وحقوقهم.

ولذلك ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لما رأى أحد قال:"ما أحب أن لي مثل أحد ذهبًا يأتي عليَّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين"يعني: لوفاء دين.

وثبت أن رجلًا قال يا رسول الله:"أرأيت إن قُتِلْتُ في سبيل الله، هل يُغْفَر لي؟ فقال: إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر غفر الله لك، ثم قال: إلا الدين، فإن جبريل أخبرني به"أي: لا تغفره الشهادة في سبيل الله؛ وذلك لأنه حق لآدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمضايقة، فلا بد من قضائها لا بد أنها تؤخذ من حسناته إذا مات وهو لم يوفها مفرطًا.

فيعني حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وهو من الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئا، في الحديث الذي في المسند أن النبي --صلى الله عليه وسلم-- قال:"الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله وهو الشرك بالله، وديوان لا يعبأ الله به وهو ظلم الإنسان نفسه، وديوان لا يترك الله منه شيئًا وهو مظالم العباد فيما بينهم القصاص لا محالة"

وإذا عرف هذا، فإذا الإنسان عليه دين، وعنده مال، فإنه يؤمر بوفائه، يكلف أن يعطي الناس حقوقهم، ولا يجوز له أن يؤخر الوفاء، يعتبر ذلك ظلمًا، ورد فيه قول النبي --صلى الله عليه وسلم--:"مطل الغني ظلم"

المطل: التأخير، يعني تأخيره للوفاء ظلم منه لأصحاب الأموال،، وفي حديث آخر، قال - صلى الله عليه وسلم -"لَيّ الواجد يحل عرضه وعقوبته"الواجد: القادر على الوفاء، وليه: يعني تلويته لأصحاب الحقوق، وعدم إيفائها، وعدم إعطاء الناس حقوقهم، يحل عرضه وعقوبته، عرضه: شكواه، وعقوبته: حبسه؛ وذلك لأنه أخر الحق عن أصحابه، فلهم أن يرفعوا بأمره، ولهم أن يشتكوه إلى من يأخذ حقهم منه.

فإذا كان ماله بقدر دينه، أو أكثر حرم عليه التأخير، ولم يجز حبسه، بل يكلف ويؤمر بأن يعطي الناس ما في ذمته لهم، حتى تبرأ ذمته، وحتى يعطي كل ذي حق حقه، فإن أخر ذلك فلهم شكواه، ولهم عقوبته، أما إذا كان عنده مال، ولكن ماله أقل من دينه، عنده مثلًا ما يساوي عشرة آلاف، أمتعة، وعروض، ونقود، وسلع، والديون التي في ذمته تساوي عشرين ألفاُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت