فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 722

تحل ذبيحة الكتابي لقول الله -تعالى-: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [1] فُسِّر طعامهم بأنه ذبحهم؛ وذلك لأن من شرعهم أن يذبحوا ذبحا شرعيا، فيذبحوا بالسكين، وكذلك يذكرون اسم الله عند الذبح، فإذا ذبحوا ذبحا شرعيا حل ذبحهم.

أما في هذه الأزمنة فالغالب أنهم لا يذبحون ذبحا شرعيا؛ أولا: أنهم -أو كلهم- لا يذكرون اسم الله.

ثانيا: أنهم لا يذبحون، وإنما يسلطون عليها أمواس تقطعها من الخلف يقتلون -مثل- البقر أو الغنم فيصُفُّونَها، ثم يغمزون هذا المسمار، ويأتي عليها من رءوسها فيقطع الرءوس من الخلف وتسقط الرءوس, لكن يقول بعضهم: إذا كان مسمَّى وأتى السكين على الحلق قبل أن تموت فإنها تُباح, أما لو قطع -مثلا- العنق من فوق، ولم يقطع الحلقوم ولم يقطع المريء ولم يقطع الوجدين فإنه لا يسمى ذابحا.

كثير منهم يقطع من عظم الرقبة ويبقى الرأس متدلٍ لا يقطعون الحلقوم حتى تموت، فيكون ذلك ذبحا شرعيا، حتى ذبحهم للطيور يعلقونها -مثلا- بأرجلها ثم تمر على ماء يغلي فتنغمس فيه، وإذا انغمست كشط جلدها، والغالب أنها تموت، فإذا خرجت من هذا الماء الحار مرت على سكين قطعت رءوسها.

أحيانا لحركتها لا تقطع إلا المنقار، وأحيانا لا تقطع الرأس، بل تضرب المنقار فيتعدى، فتسقط وهي حية يعني ما قطع رأسها تسقط في الكرتون، تمر بعد ذلك على كماشة تأخذ الشعر الذي عليها كل الريش تخمشه حتى تسلخها، ثم بعد ذلك تمر على موس يقطع الرجل وتسقط.

لا شك أن مثل هؤلاء ما ذبحوا حتى ولو كانوا مسلمين، فلا يحل ذبحهم والحال هذه، أما إذا تحقق من أنهم يذبحون بسكين حادة، وأنهم يُصَفُّون الدم فإنه يباح.

الحكمة في الذكاة خروج هذا الدم؛ لأن بقاء الدم في هذا الطير أو في هذا الحيوان يفسد لحمه، ولكن كثيرا من أهل المصانع يتركون الدم فيها؛ لأنه يزيد في الوزن -مثلا- ولو جرام أو اثنين جرام؛ لأنهم يعبون -مثلا- مائة ألف من هذا الحيوان يوميا، وهذه الزيادة التي هي جرام تزيد في الثمن فيأخذون عليها ثمنا؛ فلأجل ذلك يحاولون أنهم لا يقطعون الرأس إلا بعد أن تموت ويبقى الدم فيها، فنقول إن ذبحهم -والحال هذا- أقرب إلى أنه محرم.

فمن التنزه ألا تؤكل ذبائحهم، اللحوم المستوردة، وقد كتب فيها شيخنا عبد الله بن حميد -رحمه الله- رسالة مطبوعة بعنوان"اللحوم المستوردة"ورجح فيها أن لحومهم غالبا ليست مذبوحة شرعيا.

الشرط الثاني: الآلة: وهو كل محدد يقطع غير سن وظفر، في حديث رافع بن خديج:"قالوا: يا رسول الله, إنا لاقُوا العدو غدا وليس معنا مُدَى, فهل نذبح بالقصب؟ قال: ما أنْهَر الدم، وذكر اسم الله عليه فكن غير السن والظفر، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة"المُدْيَة: هي السكين، والحبشة الذين هم نصارى كانوا يذبحون بأظافرهم, فنهى عن الذبح بالظفر, ولو قيل: لا تذبح بظفرك فإن هذا تشبه بهم، وكذلك لا يذبح بسنه ولو عصفورا؛ فإن ذلك -أيضا- عظم, وكذلك أيضا لا يذبح بعظم.

والذي لا يجد إلا عظما لا يذبح به، أما إذا وجد حديدة محددة، أو وجد حجرا له حد، أو وجد عودا له حد وذبح به فإنه يجزئ, أو كذلك زجاجة محددة، أو ما أشبه ذلك، كل محدد يقطع الجلد ويقطع اللحم يصح التّذكية به غير السن والظفر.

الشرط الثالث: قطع الحلقوم والمريء، الحلقوم: مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والسكين لا بد أنه يقطع بها هذا الحلقوم الغليظ الذي يدخل معه النفَس، وهذا المريء الذي هو مثل المصير لكنه واسع يدخل معه الطعام يقطعه بالسكين ونحوها.

وسُنَّ قطع الوجدين، عِرْقَان في جانبي العنق، وهما اللذان يخرج منهما الدم الكثير يعني: الحكمة في هذه الذكاة لأجل خروج الدم، الدم الذي هو محرم ويُفسد اللحم، وما عجز عنه كواقعٍ في بئر ومتوحش ومتردٍ يكفي جَرْحُه حيث كان.

وفي حديث رافع يقول:"ندَّ بعير فرماه رجل بسهم فحبسه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن لهذه الدواب أوابد كأوابد البحر فما هرب منها فاصنعوا به هكذا"ند بعير: هرب, فإذا هرب -مثلا- ورموه بسهم فمات بسبب السهم؛ فإنه حلال

(1) - سورة المائدة آية: 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت