فهرس الكتاب

الصفحة 1001 من 1037

ثالثًا: جاء لفظ (السلام) بمعنى الخضوع والاستسلام لله ، الذي هو المفهوم الحقيقي لدين الإسلام ، فقد ورد لفظ (السلام) ومشتقاته للدلالة على الإسلام ، الذي يعني كمال الخضوع والذلة والاستسلام لله بما شرعه وأمر به ، فقد ورد لفظ (السّلم) بهذا المعنى في قوله (تعالى) : [ يا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ .. ] ]البقرة: 208[ ، فإذا جاء من يعرف معنى هذه الآية ، ويستشهد بأنها دليل على أن الإسلام يأمر بعقد السلام مع أعداء الله الذين نهبوا الأرض وأخرجوا المسلمين من بلادهم ، وشردوهم في الأرض ، فقد صرف معنى الآية عن مفهومها الذي نزلت به إلى معنى آخر مغاير لما نزلت من أجله .

إن المعنى الحقيقي لهذه الآية كما فسرها علماء المسلمين من المفسرين: هو الأمر بالدخول في الإسلام ، وقبول شريعة الإسلام ، يقول الزمخشري: (السّلم بكسر السين وفتحها وقرأ الأعمش بفتح السين واللام هو الاستسلام والطاعة ، أي: استسلموا لله وأطيعوه(كافة) لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته ، وقيل هو الإسلام ، والخطاب لأهل الكتاب ، لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم ، وللمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم ، ويجوز أن يكون (كافة) حالًا من السلم ، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ...

على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها ، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة ، بل شُعَب الإسلام وشرائعه كلها ، وأن لا يتركوا شيئًا منها ، وعن عبد الله بن سلام أنه استأذن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل .

[ فإن زللتم ] عن الدخول في السلم من بعد ما جاءتكم البينات ، أي: الحجج والشواهد على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ، فاعلموا أن الله عزيز غالب لا يعجزه الانتقام منكم) [7] .

ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (يقول الله(تعالى) آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك ، فقال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وطاووس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله [ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ .. ] يعني: الإسلام ، وقال الضحاك عن ابن عباس ، وأبو العالية ، والربيع ، عن أنس [ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ .. ] يعني: الطاعة ، ومن المفسرين من يجعل قوله [ كَافَّةً ] حالًا من الداخلين في الإسلام: كلكم ، والصحيح الأول ، وهو: أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدًّا ما استطاعوا منها ، كما روى ابن أبي حاتم ...

عن ابن عباس [ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ] كذا قرأه بالنصب ، يعني: مؤمني أهل الكتاب ، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوارة والشرائع التي أنزلت فيهم ، فقال الله: [ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ] يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد -صلى الله عليه وسلم- ولا تَدَعُوا منها شيئًا ، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها ، وقوله: [ فَإن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ ] أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج ، فاعلموا أن الله عزيز ، أي: في انتقامه ، ولا يفوته هارب) [8] .

والآيات التي ورد فيها لفظ (السلم) ضمن مفهوم الإسلام المتضمن لمعاني الخضوع والاستسلام مثل قوله (تعالى) : [ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ .. ] [البقرة: 112] ، وقوله (تعالى) : [ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا .. ] ]آل عمران: 83[ .

رابعًا: لقد ورد لفظ (السلام) في القرآن بما يفيد ضرورة استخدامه كتحية يتخذها الأفراد ، بقصد بث الأمان النفسي والمادي في المجتمع المسلم ، وقد ورد هذا المعنى في صور ومواقف متعددة ، كحكاية عن واقع لما سيحدث في الدار الأخرى ، ولطمأنة أفراد المجتمع بعضهم لبعض في تعاملهم ، ومن ذلك: ما ورد في سورة هود ، في قوله (تعالى) : [ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ .. ] [هود: 69] ، وقوله ( تعالى ) : [ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ .. ] [الذاريات: 25] ، وقوله ( تعالى ) : [ .. قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى ] ]طه: 47 [ ، وقوله (تعالى) : [ .. لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتًَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا .. ] [النور: 27] ، وقوله (تعالى) : [ .. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا .. ] [النساء: 94] ، وغير ذلك من الآيات التي تدور حول مفهوم السلام الذي يعطي الأمان ويبث الاطمئنان في النفوس ويزيل عنها الخوف والوجل .

فهذه الآيات جميعها تشير إلى أن السلام هو الأمان النفسي والمادي ؛ ولهذا يأمر الله عباده المؤمنين أن يمارسوا قول السلام وفعله في الدنيا لتحقيق السلام الاجتماعي ، الذي يمثل الغاية التي يسعى إليها الإسلام ، فالسلام بمختلف معانيه يقود إلى الأمان الذي هو غاية كل إنسان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت