فهرس الكتاب

الصفحة 1000 من 1037

وهذا التوجيه الوارد في هذه الآيات يخص حالة قيام دولة مسلمة في مجتمعات إسلامية ، وفي حالة وقوع معارضة لولي أمر المسلمين من فئات تنازعه الأمر بادعاء شرعي فتطلب المصالحة أو المهادنة ، كما حدث من طلب معاوية (رضي الله عنه) الصلح والتحكيم من علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) الذي كان أميرًا للمؤمنين ، ويؤكد هذا المفهوم ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: (إنه سيكون اختلاف أو أمر ، فإن استطعت أن يكون السلم فافعل) [4] .

كما توضح الآيات طبيعة السلم والمهادنة في حالة التعامل مع المنافقين الذين يدّعون الإسلام ، أو في ظل مفهوم السلام العالمي ، ويتمثل ذلك في الحقائق التالية: 1- إن طبيعة المنافقين هي خذلان الأمة في أشد المواقف خطورة حيث يمارسون دور التثبيط وزعزعة ثقة الأمة بنفسها ، فهم يعمدون إلى تخويف الأمة من أعدائها ؛ ليغرسوا فيها الوهن حتى لا تقاوم العدو فتستسلم له .

وهذه الطبيعة المتأصلة في نفوسهم إنما تعود إلى اتباعهم الباطل ، ولذا: لا نجد فترة من فترات التاريخ الإسلامي كان المنافقون أصحاب القوة والنفوذ في الأمة إلا ونجد أن الأمة وقعت في قبضة الأعداء ، وإن مجانبة هذا الأمر تكون بمنع المنافقين أن يُوَلّوْا قيادة الأمة ، وعدم موالاتهم أو الاستعانة بهم وطلب النصرة منهم .

2-حددت الآيات نوعية نفاق الجماعات سواء داخل المجتمع المسلم أو خارجه ، وتتمثل هذه الجماعات في دول كافرة ، سواء أكان كفرها متمثلًا في تبني العلمانية منهاجًا يقوم عليه نظام الدولة ، أو دول أو مجموعات بشرية تتظاهر بانتمائها للإسلام ولكن الكفر هو حقيقة هذه الجماعات أو الدول .

لقد أوضحت هذه الآيات كيفية التعامل مع هذه النوعية من الدول أو التجمعات البشرية ؛ وذلك بتصنيف علاقة السلم والحرب إلى نوعين من التعامل: النوع الأول: مسالمة هذه الجماعات أو الدول التي ترتبط مع دول أو مجموعات بينها وبين الدولة الإسلامية مهادنة وترغب أن تقف على الحياد ، وهذا ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع بني مدلج ، فقد أورد ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: عن سراقة بن مالك المدلجي (رضي الله عنه) أنه حدثهم ، قال: (لما ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم- على أهل بدر وأحد ، وأسلم من حولهم ، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج فأتيته ، فقلت: أنشدك النعمة ، فقالوا: مه ، فقال النبي: دعوه ، ما تريد ؟ قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي ، وأنا أريد أن توادعهم ، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام ، وإن لم يسلموا لم تخشن لقلوب قومي عليهم ، فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيد خالد بن الوليد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد ، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ) [5] .

الثاني: يشبهون النوع الأول في الصورة الظاهرة ، ولكن يختلفون في أن نية هؤلاء غير نية النوع الأول ، فهم لا يظهرون المناجزة والمساندة في الظاهر حتى ينالوا المنفعة من المجتمع المسلم ، ولكنهم في الحقيقة مع الأعداء ، يتآمرون ضد مصلحة المسلمين ، بل إنهم يعمدون إلى المخادعة والتضليل ، وقد ذكر ابن كثير عن ابن جرير عن مجاهد أن قوله (تعالى) : [ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يًَامَنُوكُمْ وَيًَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ .. ] ]النساء: 91 [ قد نزل في قوم من أهل مكة ، كانوا يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم- فيسلمون رياءً ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، ويبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا ، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا) [6] .

إن هذا النوع لا يقتصر على الأفراد المذبذبين ، بل يتعدى ذلك إلى الدول والجماعات التي تمارس الخداع والتضليل ؛ إما من أجل تخدير المجتمع المسلم ونزع روح المبادرة ، أو من أجل نهب خيراته من خلال إظهار مناصرة قضاياه وحمايته من أعدائه بقصد ترويض المجتمع المسلم ، ولهذا: فإن على المجتمع المسلم ألا يسمح لهذا النوع من النفاق الكافر بالوجود ، والعمل على قتالهم ، وإن المهادنة معهم لا يجوز عقدها إلا إذا التزموا بكف الأذى وعدم التدخل في أمور المجتمع المسلم .

لقد أوضح القرآن الكريم أن المهادنة وعقد السلام كما جاء في القرآن الكريم لا يجوز إلا عندما يتم تحقيق ما جاء في آيات سورة محمد ، حيث قال (تعالى) : [ إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ] [محمد: 34 ، 35] .

فقد حددت هذه الآية عدم جواز بدء طلب السلم أو المهادنة إلا إذا تحقق ما يريده الله: من أن المسلمين يكونون هم الأعلون ، وبالتالي: فإنهم لا يطلبون السلام ، ولكن يمنحونه لغيرهم إذا طلبه العدو ، لما فيه من مصلحة الناس ؛ من حيث تمكينهم من سماع كلمة الله حتى تقوم الحجة على الناس ، فلا يكون للناس حجة بعد الرسل ؛ ولهذا: جاء الإسلام ووضع أحكامًا لأهل الذمة من أجل أن يتحقق المبدأ الأساس في الإسلام ، الذي أشار إليه قوله (تعالى) : [ لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِ ] [البقرة: 256] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت