إن قبول السلم والمهادنة مع الأعداء كما أوضحته الآية يرتبط بالالتزام من قبل الأمة الإسلامية بما جاء في الآية التي سبقت آية [ وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ .. ] [الأنفال: 61] وهي قوله (تعالى) : [ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم .. ] [الأنفال: 60] ، فقد أعقب هذه الآية قوله (تعالى) : [ وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ .. ] [الأنفال: 61] فشرط قبول السلام أو المهادنة كما أوضحته الآية السابقة يتمثل في أمرين: الأول: عدم جواز عقد الهدنة إلا إذا توفرت للأمة عناصر القوة ، المتاحة وفق ما يتوفر في كل عصر من العصور من أسباب القوة ، وأن على الأمة العمل على توفير هذه القوة بتنمية القدرات العسكرية بشكل مستمر ومتواصل حتى في عهد السلم ، وبالتالي: - فأي مهادنة من قبل أي حاكم مسلم لا تكون سارية إذا أخل بهذا الشرط ، وقد أشارت هذا الآية إلى حقيقة مهمة ، وهي: عملية تنمية القوة العسكرية واعتبار أنها الوسيلة الفعالة لتحقيق السلام الحقيقي ، كما في قوله (تعالى) : [ .. تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ .. ] [الأنفال: 60] ، فالاستعداد لا يُقصد به القيام بالحرب ، وإنما هو التخويف به ، أي: تحقيق الردع ؛ ولهذا: وجّه الله (تعالى) الأنظار إلى أن هذا الاستعداد يحتاج إلى الإنفاق ، وأن على أفراد الأمة بذل المال في هذا السبيل ، وأن هذا الإنفاق لغرض تحقيق إرهاب العدو هو إنفاق في سبيل الله ، يجزي الله المنفقين على بذله ، فلا يُبْخسون شيئًا مما أنفقوه في هذا الوجه ، كما أن الاستعداد وتنمية القدرات العسكرية يجب أن يكون بتنمية القدرة على تصنيع هذا السلاح ، والعمل على توفير المناخ الإداري والسياسي والمالي لتوفير القدرة على ذلك ، فشراء السلاح من الأعداء بدون العمل على توفير الإمكانات لصنعه يعتبر تضييعًا لحق الأمة ، وصرفًا لمفهوم قوله ( تعالى ) : [ وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم .. ] [الأنفال: 60] .
الأمر الثاني: عدم قبول السلام أو المهادنة من موقف الضعف ؛ فيجب إلغاء أي معاهدة أو هدنة إذا اتضح أن الالتزام بها سوف يؤثر على مصالح الأمة ، وعندئذٍ ، ووفق الأخلاق الإسلامية التي يأمر بها الله ، فإن من الواجب إبلاغ الطرف الذي تمت المعاهدة معه بإلغائها والاستمرار في مناصبة العدو الحرب إلا إذا قبل العدو تعديل المهادنة وفق مصلحة الأمة ، والامتناع عن طلب السلم معهم إلا إذا طلبوا المسالمة وخضعوا لشروط المسلمين ؛ أي إن السلام يكون مطلبًا للعدو بعد أن يدرك أن القوة للمسلمين ، وليس أمامه إلا طلب السلام والقبول بما يفرضه المسلمون من شروط ، يقول ابن كثير (رحمه الله) في تفسير قوله ( تعالى ) [ وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ .. ] الآية: (فإذا خفت من قوم خيانة فانبذ لهم عهدهم على سواء ، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم ، وإن جنحوا ، أي: مالوا ، للسلم ، أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة ، فاجنح لها ، أي: فمل إليها واقبل منهم ذلك ؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تسع سنين ، أجابهم إلى ذلك) [3] .
وبجانب ما أشارت إليه هذه الآيات من سورة الأنفال من شروط لقبول السلام والمهادنة مع الأعداء ، فقد أوضحت سورة النساء أوضاعًا أخرى لقبول المهادنة وتحقيق السلم مع الأعداء ، وذلك في حالة أن يكون هناك ضعف داخلي في مجتمع المسلمين ، وأعداء يتربصون بهم ، يتحينون الفرص للانقضاض على الأمة ، يقول (تعالى) : [ فمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًا وَلا نَصِيرًا (89) إلاَّ الَذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يًَامَنُوكُمْ وَيًَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إلَى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ] [النساء: 88- 91] .
السلام الذي تتحدث عنه هذه الآيات ، إنما هو سلم متعلق بوجود ظروف توزع القوة بين معسكر الإسلام ومعسكر الكفر ؛ أي إن القوة متكافئة بين المسلمين والكفار ، ولهذا تعمد فئة بالتظاهر بالإسلام أو بالوقوف على الحياد ، وقد أوضحت هذه الآيات نوع المهادنة والسلم ، والأسلوب الذي يجب انتهاجه .