فهرس الكتاب

الصفحة 998 من 1037

وَإنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُم إذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ] [البقرة: 233] في هذه الآية ورد لفظ (سَلّمتم) ، وهو أحد مشتقات كلمة (السلام) ، وقد جاء اللفظ ضمن سياق آيات نظّمت وعالجت أمورًا تتعلق بالنتائج التي تترتب على الخلاف الذي يقع بين الزوجين ؛ مما قد يؤدي إلى الانفصال النهائي ، وبالتالي: فقد تم تنظيم علاقة الأطفال الذين نتجوا عن تلك العلاقة ، ولقد استخدم القرآن الكريم لفظ (سَلّمْتُم) بدلًا من أي لفظ آخر يفيد المنح والإعطاء ؛ لنكتة بلاغية وتربوية ، وهي: أن السلام في الحياة الأسرية من أهم متطلبات الاستقرار النفسي لأفراد الأمة ، ومن هنا وردت كلمة (سَلّمتم) لتنظم العلاقة بين الزوجين المنفصلين ؛ بإضفاء مفهوم الأمان ، ويورد الزمخشري (رحمه الله) عند تفسيره لهذه الآية معنًى جليلًا لمفهوم (السلام) في الأسرة المسلمة ، فيقول: (إذا سلمتم إلى المراضع ما آتيتم: ما أردتم إيتاءه ، كقوله(تعالى) [ .. إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ .. ] ]المائدة: 6 [ وقرئ ما أتيتم من أتي إليه إحسانًا إذا فعله ، ومنه قوله (تعالى) [ .. إنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مًَاتِيًا ] ]مريم: 61 [ أي مفعولًا ، وروى شيبان عن عاصم: ما أوتيتم أي ما آتاكم الله ، وأجركم عليه من الأجرة ونحوه ، وليس التسليم بشرط للجواز والصحة ، وإنما هو نَدْب إلى الأَولى ، ويجوز أن يكون نعتًا على أن يكون الشيء الذي تعطاه المرضع من أهنأ ما يكون لتكون طيبة النفس راضية ؛ فيعود ذلك إصلاحًا لشأن الصبي واحتياطًا في أمره ، فأمرنا بإتيانه ناجزًا يدًا بيد ، كأنه قيل إذا أديتم إليهن يدًا بيد ما أعطيتموهن بالمعروف ؛ مستبشري الوجوه ، ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن ؛ حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن) [1] ! .

ثانيا: في مجال الحرب والسلم: جاء لفظ (السلام) في القرآن الكريم في مواضع عديدة ، عندما تحدث القرآن عن علاقة المجتمع المسلم مع بقية الجماعات الأخرى التي تدين بغير دين الإسلام ، وأوضح الإطار الذي يحدد مظاهر ونوعية علاقات السلم ، والظروف التي يمكن فيها قبول المهادنة والصلح مع العدو ، ولهذا لابد من فهم هذه الآيات التي تحدثت عن الحرب والسلم وورود لفظ (السلام) فيها كوحدة واحدة ؛ لمعرفه كيفية بناء العلاقات السلمية مع الجماعات والمجتمعات الأخرى على النحو التالي: 1- المناوأة والمضادة للمجتمع المسلم: من أبرز الآيات التي يُسْتَشْهَدُ بها لإجازة السلام مع أعداء الأمة قوله (تعالى) : [ وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا .. ] ]الأنفال: 61[ وذلك بعد فصلها عن سياقها .

ولفهم هذه الآية لابدّ من فهم الآيات السابقة واللاحقة لها ، فهذه الآية جاءت تعقيبًا بعد قوله (تعالى) : [ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم .. ] ]الأنفال: 60 [ وجاء بعدها قوله (تعالى) : [ وَإن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ .. ] ]الأنفال: 62 [ ، وإذا أردنا فهم هذه الآيات أو ربطها ببعضها ، فلابد من الرجوع إلى ما قبلها من الآيات التي حددت الظروف الحربية التي كانت سائدة في زمن الرسول ، فقد وصف القرآن الكريم هذه الظروف بقوله (تعالى) : [ إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ .. ] ]الأنفال: 55 [ ، فقد وصفت هذه الآيات حقيقة الكفر والكافرين فيما يتعلق بمدى التزامهم بمواثيقهم ، ولقد أوضح ابن كثير (رحمه الله) في تفسيره لهذه الآية: ماذا ينبغي أن تمارسه الأمة ، يقول (رحمه الله) : (أخبر(تعالى) أن شر مادة على وجه الأرض هم الذين كفروا ، فهم لا يؤمنون ، وكلما عاهدوا عهدًا نقضوه ، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه ، وهم لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام ، فإن تَغْلِبْهُم وتَظْفَرْ بهم في حرب فنكلْ بهم: قاله ابن عباس ، والحسن البصري ، والضحاك ، والسدي ، وعطاء الخرساني ، وابن عيينة ، ومعناه: غلّظ عقوبتهم وأثخنهم قتلًا ؛ ليخاف مَن سواهم مِنْ الأعداء من العرب وغيرهم ، ويعتبروا أو يصيروا لهم عبرة [ لعلهم يذكرون ] ، وقال السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيقع بهم مثل ذلك [2] .

إن السلام لا يقوم بدوره لصالح المسلمين إلا عندما يدرك العدو أن المسلمين يمتلكون القدرة على تأديب الأعداء عند عدم احترامهم للمعاهدات ، لهذا لا يمكن تحقيق السلام إلا إذا ذاق اليهود وأعوانهم الهزيمة المرة وأصبحوا تحت سيطرة المسلمين ، وبالتالي: سيوفون بالعهد خوفًا من أن يُنكل بهم ، ولكنهم إذا عرفوا أنهم إذ ينقضون المواثيق يحصلون على أوضاع أفضل مما حصلوا عليه ؛ فإنهم لا يمتنعون عن نقض تلك المواثيق ، وما يحدث من نقض لمواثيق وعهود في البوسنة والهرسك مثلًا لدليل معاصر يؤكد هذه الحقيقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت