3-جهاد الكلمة: من خلال الدعوة إلى الله، ورد شبهات المنافقين والكافرين بالحجة والبرهان،والعمل على نشر الحق والخير، ومنع المنكرات الفعلية والقولية من خلال الكلمة الصادقة والحجة القاطعة،يقول الله (تعالى) : (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) ) [التحريم: 9] ، ومعروف أن المنافقين يمارسون حياتهم ضمن المجتمع المسلم، ولكنهم يمارسون الكفر من خلال الكيد للإسلام بقول الكلمة السيئة؛ لصرف الناس عن الحق وتشويه الأفكار والأحكام الإسلامية؛ بقصد بذر بذور الشك ، ولقد صور القرآن الكريم تلك الأساليب من الكيد للإسلام خلال العهد النبوي ـ وذلك: بالتحالف مع اليهود ومشركي العرب بزعامة قريش ـ في عدد من آيات الكتاب الحكيم ، وحيث إن مجابهة المنافقين لا تتم من خلال المواجهة العسكرية ، وإنما من خلال الكلمة ، فقد كان لجهاد الكلمة مكانة رفيعة وبارزة في الدفاع عن الأساس العقدي والتشريعي للمجتمع المسلم ، ولهذا: وجه الله رسوله إلى الاستعانة بالقرآن الكريم للرد عليهم ، يقول (تعالى) مخاطبًا رسوله ومن معه ومن بعده من المؤمنين: (( فَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) ) [الفرقان: 52] ، ويفسر ابن كثير هذه الآية بقوله: « (وجاهدهم) ، أي: بالقرآن، قاله ابن عباس، جهادًا كبيرًا، كما قال (تعالى) : (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ) )الآية (4) ، وقوله (تعالى) : (( وَمَن جَاهَدَ فَإنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ) ) [العنكبوت: 6] ، قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يومًا من الدهر بسيف» (5) .
4-مغالبة النفس وجهادها: بمنعها من الوقوع في الشرك والكفر والفسوق وارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب ، ويطلق القرآن على هذه المدافعة النفسية لفظ الجهاد ، يقول (تعالى) : (( وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ ) ) [لقمان: 15] فقد نزلت هذه الآية في سعد بن مالك (رضي الله عنه) وموقفه من أمه ، وكان بارًّا بها ، ومع ذلك: لم يتابعها على دينها مع ما يبذله من بر وطاعة وحسن خلق معها ، كما أن من المجاهدة: الصبر على تحمل الأذى في سبيل العقيدة ، والالتزام بما أمر الله به من فعل ، وترك ما نهى الله عنه من فعل، يقول (تعالى) : (( وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ) ) [العنكبوت: 69] ، وقد ذكر ابن كثير عن ابن أبي حاتم عن أبي أحمد ـ من أهل عكا ـ تفسيرًا لمفهوم هذه الآية أنه قال: «الذين يعملون بما يعلمون: يهديهم الله لما لا يعلمون» ، وهذا لا يحصل إلا بمجاهدة النفس.
يرتبط الجهاد ـ حسب المفاهيم السابقة ـ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من حيث إن الجهاد هو وسيلة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فبدون ممارسة المجتمع المسلم بمختلف فئاته ـ وفقًا للضوابط الشرعية ـ وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإن الجهاد ـ الذي هو ذروة سنام الإسلام ـ يفقد دوره الحافظ لقيم ومبادئ وتشريعات الإسلام ، ولهذا: فهناك التلازم فيما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له حواريون وأصحاب ، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (6) .
فهذا الحديث يؤكد التلازم بين الجهاد بالمعنى العام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل واضح؛ حيث يحدد أن الإيمان ـ الذي يمثل الركيزة التي يقوم عليها البناء الاجتماعي للمجتمع المسلم ـ إنما يقوم على مجاهدة أولئك الذين يريدون أن ينحرف المجتمع المسلم عن مساره قولًا وفعلًا ، فمقاومتهم جهاد ، وعليه: يأتي التوجيه النبوي لمجموع أفراد الأمة بوجوب تغيير المنكر ، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «.. من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (7) .