لقد جاءت لفظة (المنكر) في هذا الحديث بصيغة التنكير التي تفيد العموم ، وقد ذكر الحسن بن محمد النيسابوري في كتابه غرائب القرآن ـ عند تفسيره لقوله (تعالى) : (( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) ) [آل عمران:104] ـ مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: «إن لفظ (الخير) جنس ، تحته نوعان: الترغيب في فعل ما ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته ، والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته ، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان ، فقال: ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر [ اي: أتبع كلمة (الخير) المشتملة على النوعين ، الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر] ، واختلفوا في أن كلمة (مِنْ) في قوله (منكم) للتبيين أو للتبعيض ، فذهبت طائفة إلى أنها للتبيين؛ لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه.. وقال آخرون: إنها للتبعيض ، إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كالنساء والمرضى والعاجزين ـ ، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعلماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما ، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما ، وكيف يباشر» (8) .
أنواع وأشكال الجهاد:
إن مراتب الجهاد المرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتحدد في ثلاثة أشكال ـ حسبما حددها حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) ـ على النحو التالي:
أولًا: الجهاد العسكري ، وهو جهاد يقصد منه إزالة المنكر الذي يحتاج إلى استخدام القوة لتغييره.. والمنكر الذي يحتاج إلى استخدام القوة من خلال الجهاد العسكري ينقسم بدوره إلى: جهاد لنشر الإسلام ، باعتبار أن أكبر المنكرات هو الصد عن الإسلام من خلال محاربة الإسلام والمسلمين ومنع الناس من أن يعبدوا الله وفق ما شرعه.. وإلى جهاد لصد الكفار من اليهود والنصارى ممن استباح ديار المسلمين واحتلهم واستذلهم وحاربهم وحارب كل من سعى لتطبيق منهج الله وشرعه في ديار الإسلام من خلال التهديد بمختلف صوره قولًا وفعلًا.
هذا الجانب من الجهاد قد ضعف ، بل أصبح من الأمور التي يُتكلم فيها على استحياء ، فنجد المقولة التي يُراد لها أن تتعمق في العقل المسلم: إن الإسلام دين يدعو إلى السلام ، ولو كان السلام يقوم على التمكين لغير شرع الله! ، وبالتالي: فلا يجوز محاربة الكفر وإعلان الجهاد لتبليغ رسالة الإسلام وإزالة الطواغيت التي تصد الناس عن سماع واتباع الحق ، من أجل ذلك: فقد قامت الدعوة إلى عقد الندوات والمؤتمرات الداعية إلى التقارب بين الأديان ونبذ الصراع مع الباطل ومسالمته ، مع أن سنة الله قائمة على استمرار الصراع بين الحق والباطل.