فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 1037

إن الجهاد العسكري ضد الدول الكافرة التي تحارب الإسلام؛ فتصد عن سبيل الله ، أو تساعد وتناصر القوى الظالمة والجبابرة من أجل إبقاء المجتمع المسلم تحت عبوديتها ، والعمل على تجذير الفرقة ، والتمكين لأعداء الإسلام من المنافقين والملحدين من استعباد المسلمين.. هذا الجهاد أمر أوجبه الله على المسلمين ، لقد جاءت نصوص القرآن واضحة جلية بهذا الخصوص، فمن ذلك قوله (تعالى) : (( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) ) [النساء: 74] ، وقوله (تعالى) : (( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا(75) الَذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا )) [النساء: 75 ، 76] ، وقوله (تعالى) : (( قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ) [ التوبة: 29] ، إن دلالة هذه الآيات صريحة بأمر قتال جميع قوى الكفر ممن يحاربون الإسلام ويمنعون عباد الله من الانضواء تحت شريعة الله ، بل يظاهر بعضهم بعضًا لمحاربة الإسلام ودعاته والمطالبين بتحكيم شرعه ، من هنا: فإن واجب الأمة السعي لتوجيه الجهد والطاقة لإحياء مفهوم الجهاد ومناصرة المستضعفين من المسلمين ، الذين تنتهك حرماتهم ، وتستباح ديارهم ، ويُخرجون من ديارهم لا ذنب لهم إلا أنهم مسلمون ، وقد أوجب الله جهاد هذه الفئة ممن يظاهر ويناصر أعداء المسلمين في قوله (تعالى) : (( إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) [الممتحنة: 9] ، ومن مفهوم هذه الآية: فإن أي موالاة ومناصرة وخضوع لتلك القوى الكافرة ـ اقتصاديًّا وإعلاميًّا ـ سيجلب مقت الله وعذابه ، فقد حذرنا رسول الله من الوقوع في ذلك بالحديث الذي جاء فيه: «إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (9) ، وهذا الحديث يصور واقع الأمة الإسلامية وما وصلت إليه من ذل ومهانة ، بحيث أصبح بعضها يلجأ لحل مشاكلها ونزاعاتها فيما بينها إلى دول الكفر من النصارى واليهود لحلها ونيل النصرة منها ، مع أن الله (تعالى) قال في كتابه: (( ... لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلًاّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ) ) [التوبة: 8] ، وقال (تعالى) : (( إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ ) ) [الممتحنة: 2] .

إن التجربة التاريخية المعاصرة توضح هذه الحقيقة التي أشار إليها القرآن عن مدى الحقد والغل الذي يكنّه النصارى واليهود ـ حتى مع استسلام المسلمين وخضوعهم لهم ـ ، وصدق الله: (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى ) ) [البقرة: 120] .

من الفتن المظلمة في هذا العصر ـ فيما يتعلق بمفهوم الجهاد ـ: أن أعداء الله من المنافقين الذين ابتليت بهم الأمة عمدوا إلى تحريف العبارات عن مدلولاتها ومعانيها لتوافق أهواءهم وأهواء من باعوا أنفسهم له ، فمن ذلك: استخدام لفظ الجهاد وأدلته لدفع كثير من البسطاء ممن يدفعه الحماس الديني والرغبة في الاستشهاد والانخراط في القتال باسم الجهاد وباسم الاستشهاد؛ لتحقيق أغراض ، الله عليم بها ، وكذلك: إطلاق لفظ الشهيد على أولئك الذين يقتلون تحت راية وطنية أو قومية أو مذهبية أو طائفية؛ بقصد تحقيق مكاسب سياسية تخدم قوى الكفر من النصارى واليهود.

المفهوم الصحيح للجهاد:

المعنى الصحيح للجهاد هو ما فسره الرسول الكريم (عليه الصلاة والسلام) في الحديث الذي رواه البخاري ، عن أبي موسى (رضي الله عنه) قال: «قال أعرابي للنبي: الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل ليُذكر ، والرجل يقاتل ليُرى مكانه ، من في سبيل الله؟ ، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (10) ، ويعلق الإمام ابن حجر على هذا الحديث فيقول: «وفي إجابة النبي -صلى الله عليه وسلم- بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز ، وهو من جوامع كلمه ؛ لأنه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله لاحتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله ، وليس كذلك ، فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل ، فتضمن الجواب وزيادة» (11) .

إن على المسلمين أفرادًا أو جماعاتٍ أن يكونوا على حذر من الدعوات التي تطلق باسم الجهاد ، فلا ينخدع المسلم بكل من رفع راية الجهاد ، وزعم أن رايته راية إسلامية ، وعليه أن يتحقق من صحة دعوى الجهاد التي يطلقها الزعماء والقادة وأتباعهم ممن يزعم العلم والصلاح ، وذلك بعدة أمور ، من أهمها ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت