فهرس الكتاب

الصفحة 1007 من 1037

وقد لاحق رجال القانونِ قانونَ العقوبات بالتعديل والتبديل، ولكن لم يُجْدِ ذلك شيئًا فقد استمر تكاثر الجريمة وانتشارها؛ ففي سنة 1904م، صدر تقنين جديد لقانون العقوبات، ولقانون تحقيق الجنايات، وقد أخذه واضعوه من القانون الفرنسي والإيطالي والبلجيكي والإنجليزي والهندي والسوداني، وغُيِّرَ هذا القانون في سنة 1937م، ولم يفد كل هذا، ولو أنصف القوم لأقاموا شريعة الله ـ تعالى ـ وعند ذلك سيرون كيف يعالج الجريمة ويقضي عليها (2) .

وبعد هذا التمهيد لنا أن نتساءل: ما هو حكم المرتد في القوانين الوضعية؟

جرت القوانين الوضعية ـ مجتمعة ـ على إغفال النص على عقوبة المرتد؛ والسبب في إغفال ذلك من وجهة نظري ما يلي:

أولًا: الأخذ بمبدأ حرية العقيدة.

ثانيًا: الأخذ بمبدأ القاعدة القانونية المشهورة: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون) .

ثالثًا: التوقيع على مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (مواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان) .

رابعًا: موقف واضعي القوانين الوضعية من الدين.

وسوف أتناول دراسة هذه الأسباب بشيء من الإيجاز، ثم أبين موقف الشريعة الإسلامية من ذلك.

أولًا: مبدأ حرية العقيدة والديانة:

يقصد بمبدأ حرية العقيدة والديانة: حرية الفرد في أن يعتنق الدين أو المبدأ الذي يريده، وحريته في أن يمارس شعائر ذلك الدين سواء في الخفاء أو العلانية، وحريته في أن لا يعتقد في أي دين، وحريته في أن لا يُفرض عليه دين معين، أو أن يُجبر على مباشرة المظاهر الخارجية أو الاشتراك في الطقوس المختلفة للدين، وحريته في تغيير دينه أو عقيدته، كل ذلك في حدود النظام والآداب (3) .

وقد تناول دستور مصر الصادر سنة 1923م هذه الحرية ـ كغيره من الدساتير ـ، فنصت المادة (12) على أن (حرية الاعتقاد مطلقة) كما نصت المادة (13) على أن: (تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقًا للعادات المرعية في الديار المصرية، على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب(4) .

ومما سبق يتضح لنا: أن مجلس الدولة المصري حرص على حماية حرية العقيدة، إلا أنه قرن ذلك بضرورة خضوعها للعادات المرعية، وأن تجد حدها في عدم الإخلال بالنظام العام أو منافاة حرمة الآداب؛ دون إشارة إلى عقائد الإسلام بوجه خاص.

وقد أوضحت لنا محكمة القضاء الإداري (المصري) أن حرية العقيدة وإن كفلها الدستور وفرض على الدولة توفير حمايتها لكل فرد، إلا أنها ليست مطلقة من كل قيد، بل يجب أن تخضع للعادات المرعية، وأن تجد حدها عند عدم الإخلال بالنظام العام أو منافاة حرمة الآداب، فلا يسرف فيها إلى حد المغالاة والتطرف، ولا يتخذ منها وسيلة للطعن في عقيدة أخرى، بما يثير النفوس ويُحفظ الصدور، ولا يُتذرع بها للخروج على المألوف من الأسس الدنيوية والأوضاع الشرعية القائمة، ولا تُستغل بها عواطف البسطاء من الناس باسم الدين لبلبلة أفكارهم وزعزعة عقائدهم (5) . ولكن التطبيق العملي لذلك المبدأ القانوني فتح أبوابًا من الفوضى العقائدية...

ثانيًا: عدم وجود نص على عقوبة المرتد (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) .

استُمدت معظم الدساتير العربية من الدستور المصري، ولهذا أكدت جميع تلك الدساتير على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات (6) ومبدأ قضائية العقوبة كضمان للحريات الفردية من تعسف السلطة أو تجاوزاتها، ومن ذلك ما نصت عليه المادة (66) من الدستور المصري على أن (7) : (العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون) (8) .

فالدساتير العربية قد نصت على هذا المبدأ، وقد أكد هذا المبدأ ـ أيضًا ـ التشريعات العقابية العربية، ومن بينها على سبيل المثال: قانون العقوبات الاتحادي رقم (3) لسنة 1978م لدولة الإمارات العربية المتحدة المادة (1، 4) ، قانون الجزاء الكويتي المادة (1) ، قانون عقوبات قطر المادة (2) . وكلها تؤكد على أن العقاب على الجنايات والجنح والمخالفات وفق القانون المعمول به وقت ارتكابها. ويعد مبدأ الشرعية الجنائية دستور قانون العقوبات، ويقصد به: التغيير عن القاعدة الجنائية الشهيرة القائلة بأنه: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون) (9) .

والهدف من هذه القاعدة: هو حماية الفرد من خطر التجريم والعقاب بغير الأداة التشريعية وهو القانون.

فاختصاص السلطة التشريعية وحدها بتحديد الأفعال التي تعد جرائم وبيان أركانها، وتحديد العقوبات المقررة لها سواء من حيث نوعها أم مقدارها، يعد من أهم الضمانات الأساسية لحماية الحرية الفردية (10) .

وخلاصة القول: أن مبدأ الشرعية يلزم المحاكم بأن لا تحاكم أي إنسان إلا بموجب القواعد المفروضة على جميع المتقاضين هذا أولًا. وثانيًا: يحظر قانون العقوبات القياس خشية امتداد النص الجنائي إلى أفعال لم يحرمها المشرع ولم يقرر لها عقابًا؛ فالقياس يفتح الباب على مصراعيه لتحكم القضاة في أحكامهم مما يؤدي إلى إهدار وانتهاك مساواة المواطنين أمام القانون الجنائي (11) .

ثالثًا: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (12) :

أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م على المساواة القانونية بصفة عامة، فنص في مادته الأولى على أنه: (يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا عقلًا وضميرًا وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت