ويدين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التمييز بجميع أشكاله في التمتع بجميع الحقوق والحريات، وذلك فيما سطره في المادة الثانية من أنه: (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع. ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيًا أو غير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر...) .
وكذلك نصت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (13) صراحة على حظر جميع أنواع التمييز بين الأفراد، حيث ذكرت المادة (14) من هذه الاتفاقية على أنه: (يكفل التمتع بالحقوق والحريات المقررة في هذه المعاهدة دون تمييز أيًا كان أساسه: كالجنس،أو العرق،أو اللون،أو اللغة،أو العقيدة،أو الرأي السياسي،أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الانتماء إلى أقلية قومية، أو الثروة، أو الميلاد، أو أي وضع آخر) .
وقد يقول قائل: وما دخل هذه الاتفاقيات وحكم المرتد ؟ خاصة وأن هذه الاتفاقات ليس لها قوة ملزمة بالنسبة للدول؟ فمن غير المقبول أن يكون لسلطة الجمعية العامة للأمم المتحدة فرض قواعد ملزمة على دول الأعضاء؛ لذا فإن هذه الإعلانات تأخذ في حقيقة الأمر شكل التوصيات؛ أي أنها إعلانات نوايا مجردة تمامًا من كل قيمة قانونية إلزامية (14) .
والجواب:
أولًا: أن هناك من رجال القانون العام العرب (15) من يرى أن للقواعد التي تتضمنها إعلانات الحقوق قيمة قانونية تعادل القيمة القانونية للنصوص الدستورية؛ ومن ثم فإن قوتها تعلو القوانين العادية وتكون واجبة الاحترام من السلطة التشريعية.
ثانيًا: أن الدول الإسلامية ـ وللأسف الشديد مع ضعفها سياسيًا ـ تحسب لهذه القضايا ألف حساب؛ حيث أنها تراعي الديمقراطية الغربية والنمط الغربي، وتخاف من الضغوط الغربية عليها؛ ولذلك نسمع ونشاهد أنه عندما يحكم على أحد المجرمين بالإعدام في البلدان الإسلامية فإن الدنيا تقوم ولا تقعد، وقد يباد شعب من المسلمين بأكمله ولا يتحرك هذا الضمير الغربي المدافع عن حقوق الإنسان؛ والواقع المعاصر أكبر شاهد على ما نقول!
ثالثًا: تختلف القوانين الوضعية عن الشريعة الإسلامية في أنها لا تعاقب على تغيير الدين بالذات، ولكنها تأخذ بنظرية الشريعة وتطبقها على من يخرج على النظام الذي تقوم عليه الجماعة؛ فالدولة الشيوعية تعاقب من رعاياها من يترك المذهب الشيوعي وينادي بالديمقراطية أو الفاشية، والدولة الفاشية تعاقب من يخرج على الفاشية وينادى بالشيوعية أو الديمقراطية، والدول الديمقراطية تحارب الشيوعية والفاشية وتعتبرها جريمة؛ فالخروج على المذهب الذي يقوم عليه النظام الاجتماعي في دائرة القانون يقابل الخروج على الدين الإسلامي الذي يقوم عليه نظام الجماعة في الشريعة الإسلامية.
والخلاف بين الشريعة والقوانين في هذه المسألة خلاف في تطبيق المبدأ وليس خلافًا على ذات المبدأ؛ فالشريعة الإسلامية تجعل الإسلام أساس النظام الاجتماعي، فكان من الطبيعي أن تعاقب على الردة لتحمي النظام الاجتماعي.
والقوانين الوضعية لا تجعل الدين أساسًا للنظام الاجتماعي، وإنما تجعل أساسه أحد المذاهب الاجتماعية. فكان من الطبيعي أن لا تحرم تغيير الدين وأن تهتم بتحريم كل مذهب اجتماعي مخالف للمذهب الذي أسس عليه نظام الجماعة (16) .
ومما سبق يتبين لنا: أن القوانين الوضعية أغفلت النص على عقوبة المرتد، ولم يكن هذا الموضوع ليشغل بال واضعي القانون؛ وذلك لأن رجال القانون يعتبرون حد الردة وحشية وهمجية ولا يتناسب مع القرن العشرين الذي نعيش فيه!
وإن تعجب فعجبٌ أنّ رجال القانون قد وضعوا عقوبة شديدة جدًا قد تصل إلى حد الإعدام لما يسمونه بالخيانة العظمى ـ على ما سيأتي تفصيله ـ وهي تتمثل في إفشاء أسرار الدولة الخارجية والداخلية، أو التعرض لشخص رئيس الدولة، ومن خلال النصوص التي ذكروها يتضح جليًا أن خيانة الدين والردة عنه مسألة فيها نظر؛ أما خيانة الوطن فهي مسألة ذات خطر؛ ولعلِّي ـ عزيزي القارئ ـ أبين لك بعض النصوص القانونية التي توضح ذلك.
تعريف الخيانة العظمى: يطلق رجال القانون اصطلاح الخيانة على عدد من الاعتداءات الخطيرة الواقعة على أمن الدولة الخارجي، وهي جميعها جنائية الوصف، وتنم عن فصم روابط الولاء الذي يشعر به المواطن نحو وطنه وأمته ودولته، وعن استهدافه في خدمة الدولة الأجنبية وتعهده مصالحها على حساب مصلحة دولته التي ينتمي إليها (17) .
إذن فيعتبر خيانة عظمى: كل جريمة تمس سلامة الدولة أو أمنها الخارجي أو الداخلي أو نظام الحكم الجمهوري.
عقوبة الخيانة العظمى: يكون معاقبًا عليها في القوانين بعقوبات الإعدام، أوالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، أو الاعتقال المؤبد أو المؤقت (18) .
مع العلم أن مخالفة الأحكام الأساسية التي يقوم عليها الدستور لا تنضوي تحت مدلول (الخيانة العظمى) وإنما جعل المشرع الوضعي هذه المخالفة (مخالفة الخيانة العظمى) جريمة مستقلة وعاقب عليها بعقوبة خاصة (19) .
وكما تلاحظ فإن المشرِّع الوضعي أورد نصًا خاصًا ومستقلًا لجريمة الخيانة العظمى لخطورة هذه المسألة في نظره (20) مع أنه لم يورد نصًا خاصًا أو عامًا عن أحكام الردة؛ لأن هذه مسألة تدخل في نطاق الحرية العقدية والدينية. فإلى الله المشتكى من هوان الدين على أبنائه.