فَيَبْقَى الِاخْتِيَارُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ الْآخَرَيْنِ: الْقَتْلُ أَوْ الِاسْتِعْبَادُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ أَرْجَحُ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ ; لِأَنَّ الْوُجُودَ مَهْمَا كَانَ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْعَدَمِ , وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ وَاقِعًا فِي طَرِيقِ الْإِصْلَاحِ . فَإِنَّ وُجُودَ هَذَا الْكَافِرِ الْمَنَابِذِ لِلْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا وَمُضِرًّا بِالْعَدَالَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ , لَكِنَّهُ حِينَئِذٍ مُقَيَّدٌ بِتَرْبِيَةٍ إسْلَامِيَّةٍ , فَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ تَعَالِيمِ الْإِسْلَامِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهُوَ مُنْصَاعٌ لَا مَحَالَةَ لِمَا يَتَلَقَّاهُ أَوْ يَدُورُ حَوْلَهُ مِنْ أَوْضَاعٍ صَحِيحَةٍ , إذْ يُلَامِسُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ وَحَقِيقَةَ الْعَدَالَةِ وَوَاقِعَ الْإِنْسَانِيَّةِ الْفَاضِلَةِ فَيَرْغَبُ إلَيْهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ , وَيَسْتَسْلِمُ لِلدِّينِ طَوْعَ رَغْبَتِهِ هَكَذَا يَعْمَلُ الْإِسْلَامُ مَعَ الْأَسْرَى , أَيْ: يَفْتَحُ لَهُمْ مَدْرَسَةً تَرْبَوِيَّةً فَيُقْلَبُ بِهِمْ مِنْ ذَوَاتٍ خَبِيثَةٍ إلَى ذَوَاتٍ طَيِّبَةٍ . وَمِنْ فَرْدٍ طَالِحٍ ضَارٍ إلَى فَرْدٍ صَالِحٍ نَافِعٍ انْقِلَابًا فِي الْمَاهِيَّةِ , لَا مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْأُمَمُ مَعَ أَسْرَاهَا بِالْقَتْلِ الْجَمَاعِيِّ أَوْ أَوْ إهْلَاكِهِمْ تَحْتَ قَيْدِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ . وَلَا تَزَالُ تَعْمَلُ الْأُمَمُ الْغَالِبَةُ مَعَ الْمَسَاكِينِ: الْأُمَمِ الْمَغْلُوبَةِ , وَمَعَ أَسْرَاهَا أَبْشَعَ مُعَامَلَةً سَيِّئَةً , بِحُجَّةِ أَنَّهَا لَا تُطِيقُ تَحَمُّلَ مُؤْنَتِهَا فَتُهْلِكُهُمْ زَرَافَاتٍ , كَمَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ , فَمَا أَرُوعَ وَأَجْمَلَ مُعَامَلَةَ الْإِسْلَامِ مَعَ أَسْرَاهُ , أَنَّهَا تُسَمَّى"اسْتِعْبَادَ الْأَسْرَى"وَلَكِنَّهَا فِي الْوَاقِعِ تَرْبِيَةُ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ , وَجَعْلُ الْعُضْوِ الْفَاسِدِ عُضْوًا صَالِحًا . فَمَا أَحْسَنَهُ مِنْ مُعَامَلَةٍ طَيِّبَةٍ يَرْتَضِيهَا الْعَقْلُ وَيُقِرُّ عَلَيْهَا الْعُقَلَاءُ , عَبَرَ الْعُصُورِ ؟ , وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ قَانُونَ الِاسْتِبْعَادِ الَّذِي يُقِرُّهُ الْإِسْلَامُ قَانُونٌ عَقْلَانِيٌّ وَفِي صَالِحِ الْعَبِيدِ أَنْفُسِهِمْ , كَمَا هُوَ فِي صَالِحِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْكُبْرَى هَذَا فَحَسْبُ . رَابِعًا: أَنَّ الْإِسْلَامَ - بِرُوحِهِ الْعَادِلَةِ وَعَلَى وَفْقِ قَانُونِ الْإِنْصَافِ - لَمْ يَرْتَضِ إبْقَاءَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ تَحْتَ نِيرِ الْعُبُودِيَّةِ , وَلَوْ كَانَ قَدْ ضَيَّقَ مَجَالَ الِاسْتِبْعَادِ , بِشَكْلٍ تَقِلُّ الرِّقِّيَّةُ الْعَالَمِيَّةُ بِنِسْبَةِ تِسْعِينَ بِالْمِائَةِ لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ جَعَلَ وَسَائِلَ تَحْرِيرِ الْعَبِيدِ بِطُرُقٍ شَتَّى كَثِيرَةٍ , مِنْهَا قَهْرِيَّةٌ وَأُخْرَى اخْتِيَارِيَّةٌ: اخْتِيَارُ الْمَوَالِي أَوْ اخْتِيَارُ الْعَبِيدِ . وَلِذَلِكَ كُلِّهِ تَجِدُ النِّظَامَ الِاجْتِمَاعِيَّ الْإِسْلَامِيَّ ( الْفِقْهَ الْإِسْلَامِيَّ ) الْعَرِيضَ قَدْ فَتَحَ بَابًا خَاصًّا لِلتَّحْرِيرِ ( كِتَابُ الْعِتْقِ ) أَمَّا الرِّقِّيَّةُ فَلَا يُوجَدُ لَهُ كِتَابٌ خَاصٌّ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَسْطُرًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ . وَإِلَيْكَ الْإِشَارَةَ إلَى بَعْضِ الْقَوَانِين الَّتِي سَنَّهَا الْإِسْلَامُ فِي سَبِيلِ تَحْرِيرِ الْعَبِيدِ: - قَانُونُ ( عِتْقِ الصَّدَقَةِ ) قَالَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ صلى الله عليه وآله: { مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنْ النَّارِ } قَانُونُ ( عِتْقِ الْكَفَّارَةِ ) : كَفَّارَةُ الظِّهَارِ . كَفَّارَةُ الْإِيلَاءِ كَفَّارَةُ الْإِفْطَارِ , كَفَّارَةُ خُلْفِ النَّذْرِ , أَوْ الْعَهْدِ , أَوْ الْيَمِينِ , كَفَّارَةُ الْجَزَعِ الْمُحَرَّمِ فِي الْمُصَابِ , كَفَّارَةُ ضَرْبِ الْعَبْدِ , كَفَّارَةُ الْقَتْلِ . قَانُونُ ( الْخِدْمَةِ ) : إذَا خَدَمَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ مَوْلَاهُ سَبْعَ سِنِينَ فَهُوَ حُرٌّ . قَانُونُ ( الْإِقْعَادِ , وَالْعَمَى وَالْجُذَامِ ) : إنَّهَا أَسْبَابٌ قَهْرِيَّةٌ لِانْعِتَاقِ الرَّقِيقِ . قَانُونُ ( الِاسْتِيلَادِ ) . قَانُونُ ( التَّدْبِيرِ ) . قَانُونُ ( الْكِتَابَةِ ) الْمَشْرُوطَةِ وَالْمُطْلَقَةِ . قَانُونُ ( السِّرَايَةِ ) أَيْ: سِرَايَةِ الْعِتْقِ إلَى بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْعَبْدِ لَوْ عَتَقَ مِنْهُ بَعْضُهُ . قَانُونُ ( تَمَلُّكِ الذَّكَرِ أَحَدَ الْعَمُودَيْنِ أَوْ الْمَحَارِمَ مِنْ النِّسَاءِ ) . قَانُونُ ( تَمَلُّكِ الْأُنْثَى أَحَدَ الْعَمُودَيْنِ ) قَانُونُ ( إسْلَامِ الْمَمْلُوكِ قَبْلَ إسْلَامِ مَوْلَاهُ ) . قَانُونُ ( تَبَعِيَّةِ أَشْرَفِ الْأَبَوَيْنِ ) . قَانُونُ ( التَّنْكِيلِ ) . تِلْكَ قَوَانِينُ سَنَّهَا الْإِسْلَامُ بِصَدَدِ تَحْرِيرِ الْعَبِيدِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ سَوْفَ نَدْرُسُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ . هَذَا فَضْلًا عَنْ الْقَوَانِينِ الَّتِي سَنَّهَا الْإِسْلَامُ لِشِرَاءِ الْعَبِيدِ وَإِعْتَاقِهِمْ كَمَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ يَشْتَرِي بِمَالِ الزَّكَاةِ مَا أَمْكَنَ مِنْ الْأَرِقَّاءِ وَيُعْتَقُونَ . وَفِي بَابِ الْمِيرَاثِ إذَا مَاتَ أَحَدٌ , وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَى مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ يَشْتَرِي مِنْهُ لِيَرِثَ . وَأَمْثَالُ
ذَلِكَ أَيْضًا كَثِيرَةٌ .