فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 1037

وَيُكَلِّفُونَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ , أَوْ يَعْبَثُونَ بِأَرْوَاحِهِمْ غَايَةَ التَّفْرِيحِ وَتَرْوِيحِ النَّفْسِ , كَأَدَاةٍ صَامِتَةٍ يَعْمَلُ صَاحِبُهَا بِهَا مَا شَاءَ . جَاءَ الْإِسْلَامُ - وَالْعَالَمُ مُنْهَمِكٌ فِي مَهَاوِي الْغَيِّ وَالْفَسَادِ - جَاءَ لِيَجْعَلَ حَدًّا لِتِلْكَ الْمَظَالِمِ , وَنِهَايَةً لِلْعَبَثِ وَالْفَسَادِ , وَلِيُوقِظَ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ الَّذِي أَخَذَهُ السُّبَاتُ الْعَمِيقُ مُنْذُ فَتْرَةٍ سَحِيقَةٍ , وَلِيُنِيرَ دَرْبَ الْحَيَاةِ مِنْ جَدِيدٍ"فَتَنْتَهِي الْأُمَمُ عَنْ غَيِّهَا وَجَهْلِهَا , وَتَهْتَدِي إلَى سُبُلِ الصَّلَاحِ وَالسَّلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ: سَبِيلِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْفَاضِلَةِ . فَأَخَذَ الْإِسْلَامُ فِي مُبَارَزَةِ الْأَفْكَارِ قَبْلَ مُبَارَزَةِ الْأَشْخَاصِ فَالْحَرْبُ الْفِكْرِيَّةُ أَصْعَبُ , وَلَكِنَّهَا أَمْتَنُ وَأَبْلَغُ إلَى الْهَدَفِ , وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ تَمْهِيدًا لِلْأُولَى وَلِرَفْعِ حَوَاجِزَ سُدَّتْ دُونَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ:"صَرْخَةِ الْعَدَالَةِ"إلَى الْأُمَمِ . وَمِمَّا أَخَذَهُ الْإِسْلَامُ تَدْبِيرًا لِمُبَارَزَةِ قَانُونِ الِاسْتِبْعَادِ الْبَشَرِيِّ أَنْ حَارَبَ فَلْسَفَتَهُ الدَّارِجَةَ , فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } - أَيْ: كُلُّكُمْ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَمِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ , وَكُلُّكُمْ إخْوَةٌ وَبَنُو أَبٍ وَاحِدٍ . - وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ - مُخْتَلِفَةً فِي الْعَادَاتِ , وَفْقَ اخْتِلَافِ الْأَصْقَاعِ وَالْبِيئَاتِ - لِتَعَارَفُوا لِيَتَعَرَّفَ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ , وَيَسْعَى كُلُّ أُمَّةٍ فِي تَرْفِيعِ مُسْتَوَاهَا عَلَى أُخْتِهَا , وَبِذَلِكَ . يَتَدَرَّجُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَدَارِجِ الْمَدَنِيَّةِ الرَّاقِيَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ آيَاتٍ . وَأَعْلَنَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ: { لَا فَضْلَ لِأَبْيَضِكُمْ عَلَى أَسْوَدِكُمْ , كَمَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ } . وَالْبَشَرُ سَوَاسِيَةٌ مِنْ وَلَدِ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ . إلَى غَيْرِهَا مِنْ مَضَامِينَ مُتَّحِدَةِ الْهَدَفِ مَأْثُورَةٍ عَنْ النَّبِيِّ وَالْأَئِمَّةِ عليهم السلام . هَكَذَا حَارَبَ الْإِسْلَامُ فِكْرَةَ الِاسْتِبْعَادَ فَلْسَفِيًّا , وَهِيَ مُبَارَزَةٌ جَذْرِيَّةٌ , تَقْطَعُ أُصُولَ الِاسْتِبْعَادِ , وَتَذْهَبُ بِفُرُوعِهَا هَبَاءً . وَبِذَلِكَ أَلْغَى قَانُونَ"الرِّقِّيَّةِ"الَّذِي كَانَ يَعْتَرِفُ بِهِ الْعَالَمُ الْمُتَمَدِّنُ إلَى حَدِّ ذَاكَ . نَعَمْ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ مَوَارِدِ الِاسْتِعْبَادِ الَّتِي كَانَتْ دَارِجَةً حِينَذَاكَ , وَهَذَا مِمَّا لَا بُدَّ فِي قَانُونِ الِاجْتِمَاعِ الْعَامِّ , وَبِصَالِحِ الْعَبِيدِ أَنْفُسِهِمْ , وَهَذَا مَا نَرُومُ تَفْصِيلَهُ فِي هَذَا الْمَجَالِ: - ثَانِيًا - الْإِسْلَامُ اعْتَرَفَ بِقَانُونِ الِاسْتِعْبَادِ فِي مَجَالٍ وَاحِدٍ فَقَطْ , لَا ثَانِيَ لَهُ وَإِنَّ حِكْمَتَهُ لَتَرْجِعُ إلَى مَصْلَحَةِ الْعَبِيدِ أَنْفُسِهِمْ , وَذَلِكَ: إذَا قَامَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ وَالْمُسْلِمِينَ , فَشَحَنَ الْكُفْرُ جُيُوشَهُ لِمُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ وَمُنَابَذَتِهِ بِكُلِّ قُوَاهُ , وَهُنَا يَغْلِبُ الْمُسْلِمُونَ جُيُوشَ الْكُفَّارِ وَيُطَارِدُونَهُمْ , وَيَقْبِضُونَ عَلَى عَدَدٍ مِنْ الْأَسْرَى . وَالْمُعَامَلَةُ الْمُتَصَوَّرَةُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى إحْدَى ثَلَاثٍ لَا رَابِعَ لَهَا: تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِمْ لِيَرْجِعُوا إلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ مُنَابَذَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَدِيدٍ . قَتْلُهُمْ جَمِيعًا , لِيَرْتَاحَ الْعَالَمُ مِنْ شَرِّ وُجُودِهِمْ الْمَانِعِ عَنْ نَشْرِ الْعَدَالَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ . إبْقَاؤُهُمْ تَحْتَ تَرْبِيَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مُعَامَلَةٍ حَسَنَةٍ مَحْدُودَةٍ شَرْعِيًّا , لَا يَتَجَاوَزُونَهَا , مُعَامَلَةً عَادِلَةً يُحَدِّدُهَا الْإِسْلَامُ وَفْقَ رَوْحِهِ الْعَادِلَةِ الرَّحِيمَةِ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ إلَى مَعَالِمِ الْإِنْسَانِيَّةِ , وَيَنْقَلِبُونَ أَفْرَادًا صَالِحِينَ بَعْدَ مَا كَانُوا فَاسِدِينَ . فَيَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ الِاجْتِمَاعُ الْإِنْسَانِيُّ كَعُضْوٍ صَالِحٍ فَعَّالٍ , بَعْدَ مَا كَانَ الْمُجْتَمَعُ الْبَشَرِيُّ يَخْشَى غَيَّهُمْ وَفَسَادَهُمْ وَإِفْسَادَهُمْ . تِلْكَ طُرُقٌ ثَلَاثٌ لَا بُدَّ مِنْ اخْتِيَارِ أَحَدِهَا بِشَأْنِ الْأَسْرَى الَّذِينَ جَاءُوا مُنَابِذِينَ لِلْعَدَالَةِ , فَأَطَاحَ بِهِمْ الْقَدَرُ فِي أَيْدِي دُعَاةِ الْعَدَالَةِ: الْمُسْلِمِينَ أَمَّا اخْتِيَارُ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فَهُوَ نَقْضٌ لِلْغَرَضِ وَكَرٌّ عَلَى مَا فَرَّ مِنْهُ . حَيْثُ مُحَارِبُ الْإِسْلَامِ , يَمْلِكُ رُوحًا خَبِيثَةً , دَعَتْهُ إلَى مُنَابَذَةِ دَاعِي الْعَدَالَةِ وَسَحْقِ حَامِلِ مِشْعَلِ الْإِنْسَانِيَّةِ , فَلَا يَسْتَحِقُّ هَكَذَا إنْسَانٌ أَنْ يَكُونَ مَبْسُوطَ الْيَدِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ غَيٍّ , وَعَبَثٍ , وَفَسَادٍ , وَيَعْمَلُ فِي ضِدِّ مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ وَفِي مُنَاقَضَةِ الصَّالِحِ الْعَامِّ كَلًّا إنَّهُ طَرِيقٌ لَا يَسْتَحْسِنُهُ الْعَقْلُ الْحَكِيمُ وَلَا يُحَبِّذُهُ سُلُوكُ الْعُقَلَاءِ مَعَ الْأَبَدِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت