فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 1037

بِالْمَعْرُوفِ وَلَا الْمُنْكَرِ لَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى . وَثَانِيهَا: أَنْ يَأْمَنَ أَنْ يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ إلَى مُنْكِرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ . وَثَالِثُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِفَادَةُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ , فَالْأَوَّلَانِ لِلْجَوَازِ وَالثَّالِثُ لِلْوُجُوبِ . وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَجَسُّسٍ وَلَا اسْتِرَاقِ سَمْعٍ وَلَا بَحْثٍ بِوَجْهٍ كَتَفْتِيشِ دَارٍ أَوْ ثَوْبِهِ لِحُرْمَةِ السَّعْيِ فِي ذَلِكَ . وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ يَكُونَ مُدْرَكُ عَدَمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ ضَعِيفًا كَالنَّبِيذِ , فَإِنَّ الْحَنَفِيَّ يَقُولُ بِحِلِّهِ فَمَنْ فَعَلَ الْمُخْتَلَفَ فِي تَحْرِيمِهِ فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ التَّحْرِيمُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَقْلِيدَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ , كَالْمَالِكِيِّ يَأْكُلُ الْبَصَلَ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرَكُ الْمُخَالِفِ فِيهِ ضَعِيفًا فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُنْكَرُ عَلَى مُعْتَقِدِ حِلِّهِ حَيْثُ كَانَ يَنْقُضُ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَاطِعٍ أَوْ جَلِيِّ قِيَاسٍ , وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ كَانَ جَاهِلًا وَالْمُدْرِكُ فِي الْحِلِّ وَعَدَمِهِ مُتَوَازٍ فَإِنَّهُ يُرْشِدُ لِلتَّرْكِ بِرِفْقٍ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلَا تَوْبِيخٍ , فَتَلَخَّصَ أَنَّ الشُّرُوطَ خَمْسَةٌ وَلَيْسَ مِنْهَا عَدَالَةُ الْآمِرِ وَلَا إذْنُ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيَجِبُ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنْ شُرْبِهِ , نَعَمْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: يَنْبَغِي لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ بِصُورَةِ مَنْ يُقْبَلُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ , فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَالَمِ عِنْدَ نَزْعِ عِمَامَتِهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهَا , كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِالرِّفْقِ , فَلَا يُرْتَكَبُ فِي ذَلِكَ غَلِيظُ الْقَوْلِ وَلَا الشَّتْمُ إلَّا فِي نَحْوِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ كَمَا مَرَّ . ( تَنْبِيهَاتٌ ) الْأَوَّلُ: وُجُوبُ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ عَاصِيًا بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاجِبَةَ الدَّرْءِ لِمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ لَبَنًا , أَوْ تَرَكَ أَمْرًا وَاجِبًا فِعْلُهُ كَصَلَاةِ فَرْضٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِفَرْضِيَّتِهَا فَيَجِبُ النَّهْيُ وَالْأَمْرُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ عِصْيَانِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ , لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عليهم الصلاة والسلام كَانَتْ تَأْمُرُ وَتَنْهَى أُمَمَهَا أَوَّلَ بَعْثَتِهَا , وَمَعْلُومٌ عَدَمُ عِصْيَانِهِمْ إذْ ذَاكَ . الثَّانِي: يَجِبُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِمَا عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ أَوْ الْمَنْهِيُّ جَمَاعَةً لَوَجَبَ خِطَابُهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ نَحْوَ: قُومُوا لِلصَّلَاةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ . الثَّالِثُ: تَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ وَمِنْ الْفَرَائِضِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ يَقْتَضِي قَصْرَ الْمَعْرُوفِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُنْكَرِ عَلَى الْمُحَرَّمِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ لِأَنَّهُمَا يَنْصَرِفَانِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ , وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَنْدُوبِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَكْرُوهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كَوْنِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا قَوْلَانِ , وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُمَا أَرْجَحِيَّةُ النَّدْبِ كَنَدْبِ النَّهْيِ عَنْ الْمَكْرُوهِ . وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ مَعَ غَيْرِهِ , شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مِنْ إخْلَاصِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بِقَوْلِهِ: ( وَفَرْضٌ ) بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ ( عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ) مُكَلَّفٍ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ( أَنْ يُرِيدَ ) أَنْ يَقْصِدَ ( بِكُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ مِنْ ) أَعْمَالِ ( الْبِرِّ ) وَلَوْ مَنْدُوبَةً وَمَفْعُولُ يُرِيدُ ( وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمِ , وَ ) هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِخْلَاصِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قوله تعالى: { فَادْعُوَا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وَالْإِخْلَاصُ إفْرَادُ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ , فَالْكِتَابُ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ , وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } . وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْإِخْلَاصِ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاَللَّهِ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةٍ , وَإِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْعَمَلَ لِوَجْهِ اللَّهِ حَتَّى يُرْجَى قَبُولُهُ , وَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْفَاءِ الَّتِي كَانَتْ أَوْلَى مِنْ الْوَاوِ قَوْلَهُ: ( وَمَنْ ) عَمِلَ عَمَلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت