فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 1037

يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ وَقَدْ ( أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ ) بِأَنْ أَرَادَ بِهِ النَّاسَ ( لَمْ يُقْبَلْ ) أَيْ وَلَمْ يَصِحَّ ( عَمَلُهُ ) لِأَنَّ إرَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالْعَمَلِ مَحْضُ رِيَاءٍ . قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: الرِّيَاءُ إيقَاعُ الْقُرْبَةِ يَقْصِدُ بِهَا النَّاسَ , فَلَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْقُرْبَةِ كَالتَّجَمُّلِ بِاللِّبَاسِ , وَخَرَجَ إرَادَةُ غَيْرِ النَّاسِ بِالْقُرْبَةِ فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ , كَمَنْ حَجَّ لِيَتَّجِرَ أَوْ جَاهَدَ لِيَغْنَمَ . ( وَالرِّيَاءُ ) يُقَالُ لَهُ ( الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ ) فَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا سَوَاءٌ الرِّيَاءُ الْخَالِصُ وَهُوَ إيقَاعُ الْقُرْبَةِ لِقَصْدِ النَّاسِ فَقَطْ , وَرِيَاءُ الشِّرْكِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ وَالنَّاسِ , وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَخَفُّ مِنْ الْأَوَّلِ , وَهَذَانِ يُقَالُ لَهُمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ وَيُبْطِلَانِ الْعِبَادَةَ كَمَا عَرَفْت , وَأَمَّا الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ فَهُوَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ الشَّخْصُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِخْلَاصَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَهُوَ قَصْدُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً , فَإِنْ شَمِلَ الرِّيَاءُ جَمِيعَ الْعِبَادَةِ بَطَلَتْ إجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ , وَإِنْ شَمِلَ بَعْضَهَا وَتَوَقَّفَ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا كَالصَّلَاةِ فَفِي صِحَّتِهَا تَرَدُّدٌ , وَإِنْ عَرَضَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا أُمِرَ بِدَفْعِهِ وَعَمَلِهَا وَإِنْ تَعَذَّرَ وَلَصِقَ بِصَدْرِهِ , فَإِنْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً تَعَيَّنَ لِتَقْدِيمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمَنْدُوبِ , وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أُمِرَ بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ . ( تَنْبِيهَاتٌ ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَدَّرْنَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُقْبَلُ عَمَلُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ , لِأَنَّ الصِّحَّةَ قَدْ تُوجَدُ مَعَ عَدَمِ الْقَبُولِ , إذَا الصِّحَّةُ سُقُوطُ الْأَدَاءِ بِفِعْلِ الْمُؤَدَّى بِشُرُوطِهِ وَفَقْدِ مَوَانِعِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْفَاعِلِ , وَأَمَّا الْقَبُولُ فَهُوَ الرِّضَا بِالْعَمَلِ مَعَ الْإِثَابَةِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ مَنْعُ الصِّحَّةِ , بِخِلَافِ الصِّحَّةِ قَدْ تُوجَدُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَبُولَ أَخَصُّ وَالصِّحَّةُ أَعَمُّ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ مَكَانَ الْأَنْسَبِ , أَنْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَصِحَّ عَمَلُهُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الرِّيَاءِ مُبْطِلٌ لِلْعِبَادَةِ إجْمَاعًا , وَالْبَاطِلُ وَالْفَاسِدُ عِنْدَنَا بِمَعْنًى , وَلَعَلَّهُ آثَرَ التَّعْبِيرَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِأَنَّهُ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ غَالِبًا , وَبَنَوْا عَلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَهَمِّيَّةِ الصِّحَّةِ وَأَخَصِّيَّةِ الْقَبُولِ صِحَّةَ الدُّعَاءِ بِتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ عَقِبَ الْعَمَلِ الصَّحِيحِ , وَلَوْ كَانَ يَلْزَمُ عَنْ الصِّحَّةِ الْقَبُولُ لَلَزِمَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَافْهَمْ . الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرِّيَاءَ مُفْسِدٌ لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ فَرْضِيَّةُ الْإِخْلَاصِ وَعَدُّهُ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ , مَعَ أَنَّا لَمْ نَرَ مَنْ عَدَّهُ مِنْ فَرَائِضِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ فَرْضِيَّةُ النِّيَّةِ كَافِيَةٌ لِتَضَمُّنِهَا لَهُ لِأَنَّهُ قَصَدَ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ , وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْعَمَلَ لِلَّهِ , بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: النِّيَّةُ هِيَ الْإِخْلَاصُ لِأَنَّ النَّاوِيَ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ خَالِقِهِ قَدْ قَصَدَ وَجْهَهُ بِالْعِبَادَةِ . الثَّالِثُ: فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَمِلَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ عِلْمِ النَّاسِ بِعِلْمِهِ وَمَدْحِهِمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ لَا يُبْطِلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ رِيَاءً , كَمَا لَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِعَجَبِهِ بِعَمَلِهِ أَيْ بِرُؤْيَتِهِ حَسَنًا وَاسْتِعْظَامِهِ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَالَ تَعَالَى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أَيْ مَا عَبَدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ , وَكَذَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّسْمِيعِ وَهُوَ إعْلَامُ النَّاسِ بِعِلْمِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لِقَصْدِ تَعْظِيمٍ أَوْ إعْطَاءِ دُنْيَا , وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ التَّسْمِيعِ كَالْعُجْبِ لِخَبَرِ مَنْ سَمَّعَ بِالتَّشْدِيدِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , أَيْ يُنَادَى عَلَيْهِ فُلَانٌ قَدْ عَمِلَ عَمَلًا أَرَادَ بِهِ غَيْرِي , وَإِنَّمَا لَمْ يُبْطِلْ الْعُجْبُ وَالتَّسْمِيعُ الْعِبَادَةَ لِحُصُولِهِمَا بَعْدَ الْعِبَادَةِ . ( فَائِدَةٌ ) وَرَدَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: { أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّقِيَ الرِّيَاءَ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِك شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُك لِمَا لَا نَعْلَمُهُ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت