7 -قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ ( بِالْكَسْرِ ) عَلَى إيقَاعِ مَا هَدَّدَ بِهِ , لِكَوْنِهِ مُتَغَلِّبًا ذَا سَطْوَةٍ وَبَطْشٍ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُلْطَانًا وَلَا أَمِيرًا - ذَلِكَ أَنَّ تَهْدِيدَ غَيْرِ الْقَادِرِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ . الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: 8 - خَوْفُ الْمُكْرَهِ ( بِفَتْحِ الرَّاءِ ) مِنْ إيقَاعِ مَا هُدِّدَ بِهِ , وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ إذَا كَانَ الْمَخُوفُ عَاجِلًا . فَإِنْ كَانَ آجِلًا , فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْأَذْرَعِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلَى تَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ مَعَ التَّأْجِيلِ . وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّأْجِيلِ , وَلَوْ إلَى الْغَدِ . وَالْمَقْصُودُ بِخَوْفِ الْإِيقَاعِ غَلَبَةُ الظَّنِّ , ذَلِكَ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدِلَّةِ , وَتَعَذُّرِ التَّوَصُّلِ إلَى الْحَقِيقَةِ . الشَّرِيطَةُ الثَّالِثَةُ: 9 - أَنْ يَكُونَ مَا هَدَّدَ بِهِ قَتْلًا أَوْ إتْلَافَ عُضْوٍ , وَلَوْ بِإِذْهَابِ قُوَّتِهِ مَعَ بَقَائِهِ كَإِذْهَابِ الْبَصَرِ , أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَطْشِ أَوْ الْمَشْيِ مَعَ بَقَاءِ أَعْضَائِهَا , أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُوجِبُ غَمًّا يُعْدِمُ الرِّضَا , وَمِنْهُ تَهْدِيدُ الْمَرْأَةِ بِالزِّنَى , وَالرَّجُلِ بِاللِّوَاطِ . أَمَّا التَّهْدِيدُ بِالْإِجَاعَةِ , فَيَتَرَاوَحُ بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ , فَلَا يَصِيرُ مُلْجِئًا إلَّا إذَا بَلَغَ الْجُوعُ بِالْمُكْرَهِ ( بِالْفَتْحِ ) حَدَّ خَوْفِ الْهَلَاكِ . ثُمَّ الَّذِي يُوجِبُ غَمًّا يُعْدِمُ الرِّضَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ: فَلَيْسَ الْأَشْرَافُ كَالْأَرَاذِلِ , وَلَا الضِّعَافُ كَالْأَقْوِيَاءِ , وَلَا تَفْوِيتُ الْمَالِ الْيَسِيرِ كَتَفْوِيتِ الْمَالِ الْكَثِيرِ , وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى الْحَاكِمِ , يُقَدِّرُ لِكُلِّ وَاقِعَةٍ قَدْرَهَا . الشَّرِيطَةُ الرَّابِعَةُ: 10 - أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ مُمْتَنِعًا عَنْ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لَوْلَا الْإِكْرَاهُ , إمَّا لِحَقِّ نَفْسِهِ - كَمَا فِي إكْرَاهِهِ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ - وَإِمَّا لِحَقِّ شَخْصٍ آخَرَ , وَإِمَّا لِحَقِّ الشَّرْعِ - كَمَا فِي إكْرَاهِهِ ظُلْمًا عَلَى إتْلَافِ مَالِ شَخْصٍ آخَرَ , أَوْ نَفْسِ هَذَا الشَّخْصِ , أَوْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ أَوْ عَلَى ارْتِكَابِ مُوجِبِ حَدٍّ فِي خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ , كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ . الشَّرِيطَةُ الْخَامِسَةُ: 11 - أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنًا . وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ عَلَى إطْلَاقِهِ . وَفِي حُكْمِ الْمُتَعَيِّنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْحَنَابِلَةِ مَا لَوْ خَيَّرَ بَيْنَ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ . وَيَتَفَرَّغُ عَلَى هَذَا حُكْمُ الْمُصَادَرَةِ الَّتِي سَلَفَ ذِكْرُهُ فِي فِقْرَةٍ . وَمِنْهُ يُسْتَنْبَطُ أَنَّ مَوْقِفَ الْمَالِكِيَّةِ فِي حَالَةِ الْإِبْهَامِ أَدْنَى إلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ , بَلْ أَوْغَلُ فِي الِاعْتِدَادِ بِالْإِكْرَاهِ حِينَئِذٍ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَكُونَ مَجَالُ الْإِبْهَامِ أُمُورًا مُعَيَّنَةً . أَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى طَلَاقِ إحْدَى هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ , أَوْ قَتْلِ أَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ , فَمِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ , وَمَعَهُمْ مُوَافِقُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ بِرَغْمِ هَذَا التَّخْيِيرِ . وَعِنْدَ جَمَاهِيرِ الشَّافِعِيَّةِ , وَقِلَّةٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ , لَا يَتَحَقَّقُ , لِأَنَّ لَهُ مَنْدُوحَةً عَنْ طَلَاقِ كُلٍّ بِطَلَاقِ الْأُخْرَى - وَكَذَا فِي الْقَتْلِ - نَتِيجَةَ عَدَمِ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ . وَالتَّفْصِيلُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي . الشَّرِيطَةُ السَّادِسَةُ: 12 - أَلَّا يَكُونَ لِلْمُكْرَهِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ , فَإِنْ كَانَتْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهُ , ثُمَّ فَعَلَهُ لَا يَكُونُ مُكْرَهًا عَلَيْهِ , وَعَلَى هَذَا لَوْ خُيِّرَ الْمُكْرَهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِتَسَاوِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ تَفَاوُتِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْحُرْمَةُ وَالْحِلُّ , وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ كَمَا يَلِي: إنَّ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرَ بَيْنَهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَرَّمًا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ , وَلَا يُبَاحُ أَصْلًا , كَمَا لَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الزِّنَى وَالْقَتْلِ . أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَرَّمًا يُرَخَّصُ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , كَمَا لَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ . أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَرَّمًا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , كَمَا لَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ . أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبَاحًا أَصَالَةً أَوْ لِلْحَاجَةِ , كَمَا لَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ