وَبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ , أَوْ بَيْنَ جَمْعِ الْمُسَافِرِ الصَّلَاةَ فِي الْحَجِّ وَفِطْرِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ . فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ الَّتِي يَكُونُ الْأَمْرَانِ الْمُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْحُرْمَةِ أَوْ الْحِلِّ , يَتَرَتَّبُ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى فِعْلِ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهُمَا , وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي سَيَجِيءُ تَقْرِيرُهُ بِخِلَافَاتِهِ وَكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ , لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الْوَاقِعِ لَيْسَ إلَّا عَلَى الْأَحَدِ الدَّائِرِ دُونَ تَفَاوُتٍ , وَهَذَا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ , وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي مُعَيَّنٍ , وَقَدْ خَالَفَ فِي هَذَا أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ , فَنَفَوْا حُصُولَ الْإِكْرَاهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ . وَإِنْ تَفَاوَتَ الْأَمْرَانِ الْمُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا , فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحَرَّمًا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ كَالزِّنَى وَالْقَتْلِ , فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَنْدُوحَةً , وَيَكُونُ الْإِكْرَاهُ وَاقِعًا عَلَى الْمُقَابِلِ لَهُ , سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْمُقَابِلُ مُحَرَّمًا يُرَخَّصُ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , كَالْكُفْرِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ , أَمْ مُحَرَّمًا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ , أَمْ مُبَاحًا أَصَالَةً أَوْ لِلْحَاجَةِ , كَبَيْعٍ كَشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِ الْمُكْرَهِ , وَالْإِفْطَارِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ , وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْإِكْرَاهِ حُكْمُهُ الَّذِي سَيَجِيءُ تَفْصِيلُهُ بِخِلَافَاتِهِ . وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مَنْدُوحَةً مَعَ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يُرَخَّصُ فِيهِ وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ , أَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَنْدُوحَةً لِوَاحِدٍ مِنْهَا , فَفِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا , وَهِيَ مَا لَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الزِّنَى أَوْ الْقَتْلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ أَوْ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ , أَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الزِّنَى أَوْ الْقَتْلِ وَبَيْنَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ , أَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الزِّنَى أَوْ الْقَتْلِ وَبَيْنَ بَيْعِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْمَالِ , فَإِنَّ الزِّنَى أَوْ الْقَتْلَ لَا يَكُونُ مُكْرَهًا عَلَيْهِ , فَمَنْ فَعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَانَ فِعْلُهُ صَادَرَا عَنْ طَوَاعِيَةٍ لَا إكْرَاهٍ , فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ مُلْجِئًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْإِذْنُ فِي فِعْلِ الْمَنْدُوحَةِ , وَكَانَ الْفَاعِلُ عَالِمًا بِالْإِذْنِ لَهُ فِي فِعْلِ الْمَنْدُوحَةِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ . وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمًا يُرَخَّصُ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , وَالْمُقَابِلُ لَهُ مُحَرَّمًا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , كَمَا لَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْكُفْرِ أَوْ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ , وَبَيْنَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ , فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ فِي حُكْمِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْإِبَاحَةِ , فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مَنْدُوحَةً عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ , وَيَكُونُ الْإِكْرَاهُ وَاقِعًا عَلَى فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهُمَا , مَتَى كَانَ بِأَمْرٍ مُتْلِفٍ لِلنَّفْسِ أَوْ لِأَحَدِ الْأَعْضَاءِ . وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مُحَرَّمًا يُرَخَّصُ فِيهِ أَوْ يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , وَالْمُقَابِلُ لَهُ مُبَاحًا أَصَالَةً أَوْ لِلْحَاجَةِ , كَمَا لَوْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْكُفْرِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ , وَبَيْنَ بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُكْرَهِ أَوْ الْفِطْرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ , فَإِنَّ الْمُبَاحَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ مَنْدُوحَةً عَنْ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يُرَخَّصُ فِيهِ أَوْ يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , وَعَلَى هَذَا يَظَلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ , سَوَاءٌ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِمُتْلِفٍ لِلنَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ أَوْ بِغَيْرِ مُتْلِفٍ لِأَحَدِهِمَا , لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ بِغَيْرِ الْمُتْلِفِ لَا يُزِيلُ الْحَظْرَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُطْلَقًا , وَالْإِكْرَاهُ بِمُتْلِفٍ - وَإِنْ كَانَ يُزِيلُ الْحَظْرَ - إلَّا أَنَّ إزَالَتَهُ لَهُ بِطَرِيقِ الِاضْطِرَارِ , وَلَا اضْطِرَارَ مَعَ وُجُودِ الْمُقَابِلِ الْمُبَاحِ .