131 -الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحِنْثَ هُوَ السَّبَبُ الْوَحِيدُ , أَوْ ثَانِي السَّبَبَيْنِ لِلْكَفَّارَةِ , أَوْ شَرِيطَةٌ لَهَا , لَمْ يُصَرِّحُوا بِشَرَائِطَ لِلْحِنْثِ , وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أُمُورًا يَخْتَلِفُ الرَّأْيُ فِيهَا , إذَا كَانَ الْحِنْثُ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا , وَمِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ: الْعَمْدُ وَالطَّوَاعِيَةُ وَالتَّذَكُّرُ وَالْعَقْلُ . وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَشْتَرِطُونَ فِي الْحَلِفِ الطَّوَاعِيَةَ وَلَا الْعَمْدَ , وَهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَهُمَا فِي الْحِنْثِ أَيْضًا , وَكَذَلِكَ لَا يَشْتَرِطُونَ فِيهِ التَّذَكُّرَ وَلَا الْعَقْلَ , فَمَنْ حَلَفَ أَوْ حَنِثَ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . وَكَذَا مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَهُ وَهُوَ ذَاهِلٌ أَوْ سَاهٍ أَوْ نَاسٍ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ , بَلْ فَعَلَهُ بِهِ غَيْرُهُ قَهْرًا عَنْهُ لَمْ يَحْنَثْ , كَمَا لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَشْرَبَ هَذَا الْمَاءَ , فَصَبَّهُ إنْسَانٌ فِي حَلْقِهِ قَهْرًا ; لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ شَارِبًا , فَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ . وَمِنْ أَمْثِلَةِ النِّسْيَانِ فِي الْحِنْثِ: مَا لَوْ قَالَ إنْسَانٌ: وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ , ثُمَّ حَلَفَ نَاسِيًا لِهَذِهِ الْيَمِينِ , فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ بِهَذَا الْحَلِفِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ حِنْثًا فِي الْيَمِينِ الْأُولَى , ثُمَّ إذَا حَنِثَ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَدَاخُلِ الْكَفَّارَاتِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنَّ الْيَمِينَ إمَّا يَمِينُ بِرٍّ , نَحْوُ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا , وَإِمَّا يَمِينُ حِنْثٍ , نَحْوُ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا . 132 - أَمَّا يَمِينُ الْبِرِّ: فَيَحْنَثُ فِيهَا بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ - وَكَذَا بِفِعْلِ بَعْضِهِ إنْ كَانَ ذَا أَجْزَاءٍ - عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ خَطَأً قَلْبِيًّا , بِمَعْنَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِهَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ يَمِينَهُ بِالْعَمْدِ أَوْ الْعِلْمِ , فَإِنْ قَيَّدَهَا بِالْعَمْدِ , بِأَنْ قَالَ: لَا أَفْعَلُهُ عَمْدًا , لَمْ يَحْنَثْ بِالْخَطَأِ , وَإِنْ قَيَّدَ بِالْعِلْمِ , بِأَنْ قَالَ: لَا أَفْعَلُهُ عَالِمًا , أَوْ لَا أَفْعَلُهُ مَا لَمْ أَنْسَ لَمْ يَحْنَثْ بِالنِّسْيَانِ . وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِ الْبِرِّ بِالْخَطَأِ اللِّسَانِيِّ , كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَذْكُرُ فُلَانًا , ثُمَّ سَبَقَ لِسَانُهُ بِذِكْرِ اسْمِهِ , وَكَذَا لَا يَحْنَثُ فِيهَا بِالْإِكْرَاهِ عَلَى فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ , وَذَلِكَ بِقُيُودٍ سِتَّةٍ: