فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 1037

21 -التَّكْلِيفُ: يُشْتَرَطُ فِي الرَّجُلِ لِكَيْ يَكُونَ ظِهَارُهُ صَحِيحًا أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا , وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِأُمُورٍ: أ - الْبُلُوغُ: فَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الصَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا ; لِأَنَّ حُكْمَ الظِّهَارِ التَّحْرِيمُ , وَخِطَابُ التَّحْرِيمِ مَرْفُوعٌ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ , يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ , وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ , وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَعْقِلَ } . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الظِّهَارِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ , فَهُوَ كَالطَّلَاقِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ , وَطَلَاقُ الصَّبِيِّ لَا يُعْتَبَرُ , فَكَذَلِكَ ظِهَارُهُ لَا يُعْتَبَرُ . ب - الْعَقْلُ: فَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الْمَجْنُونِ حَالَ جُنُونِهِ , وَلَا مِنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ أَدَاةُ التَّفْكِيرِ وَمَنَاطُ التَّكْلِيفِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْعَاقِلِ . وَمِثْلُ الْمَجْنُونِ فِي الْحُكْمِ: الْمَعْتُوهُ وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمَدْهُوشُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ . وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ ظِهَارَهُ لَا يُعْتَبَرُ إنْ كَانَ سُكْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ , وَذَلِكَ كَمَا إذَا شَرِبَ الْمُسْكِرَ لِلضَّرُورَةِ أَوْ تَحْتَ ضَغْطِ الْإِكْرَاهِ , لِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا وَعْيَ عِنْدَهُ , وَلَا إدْرَاكَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ أَوْ كَالنَّائِمِ , فَكَمَا لَا يُعْتَبَرُ الظِّهَارُ الصَّادِرُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ فَكَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ الظِّهَارُ الصَّادِرُ مِنْ السَّكْرَانِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ . أَمَّا إذَا كَانَ سُكْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ مُحَرَّمٍ , بِأَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ حَتَّى سَكِرَ , فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ ظِهَارِهِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي اعْتِبَارِ طَلَاقِهِ , فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِاعْتِبَارِ طَلَاقِهِ قَالَ بِاعْتِبَارِ ظِهَارِهِ , وَهُمْ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ , وَمَالِكٌ , وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ . وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَمَّا تَنَاوَلَ الْمُحَرَّمَ بِاخْتِيَارِهِ كَانَ مُتَسَبِّبًا فِي زَوَالِ عَقْلِهِ , فَيُجْعَلُ عَقْلُهُ مَوْجُودًا حُكْمًا عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا عَنْ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ . وَمَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ قَالَ لَا يُعْتَبَرُ ظِهَارُهُ , وَهُمْ زُفَرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ , وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ تَعْتَمِدُ عَلَى الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ الصَّحِيحَةِ , وَالسَّكْرَانُ قَدْ غَلَبَ السُّكْرُ عَلَى عَقْلِهِ فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ قَصْدٌ وَلَا إرَادَةٌ صَحِيحَةٌ , فَلَا يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ , كَمَا لَا يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ . ج - الْإِسْلَامُ: فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ مُسْلِمٍ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ سَوَاءٌ كَانَ كِتَابِيًّا أَمْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ . وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إسْلَامُ الزَّوْجِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الظِّهَارِ , فَيَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِ . وَحُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ } فَإِنَّ الْخِطَابَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ , فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكَافِرِينَ . وَالْأَزْوَاجُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ: { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } لَا يُرَادُ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُ الْمُسْلِمِينَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِمْ الْأَزْوَاجُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إنَّمَا جَاءَتْ لِبَيَانِ حُكْمِ الظِّهَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا , وَهُوَ الظِّهَارُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الظِّهَارَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ تَحْرِيمًا يَنْتَهِي بِالْكَفَّارَةِ , وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ , لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ , وَالْكَافِرُ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنْهُ . وَحُجَّةُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } فَإِنَّهُ عَامٌّ , فَيَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِينَ , وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الْأَصْلُ فِي التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ , وَغَيْرُهُمْ تَابِعٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ , وَلَا يَثْبُتُ التَّخْصِيصُ إلَّا بِدَلِيلٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت