فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.
لقد كثر الكلام والنقاش والجدل وأيضًا الجهل من قلة البحث وعدم العلم الصحيح بمثل هذه الأمور المهمة اليوم ، وكثرت الأخطاء والأضرار التي تتعلق بالمسلمين والمسلمات ، وأوقع الأخ أخاه في الضرر ، والأخت أختها في الضرر، بسبب عدم المعرفة وقلة العلم وغياب من ينبّه على مثل هذه الأمور ، ويذكر المسلمين ذكرى تنفعهم في الدنيا والآخرة .
فكان حقًا علينا أن نكتب ونبين ما نعرف من الحق في هذا الأمر ، ونكشف اللبس فيه ، ولا نكتم حقًا عرفناه والحمد لله ، ونكون عونًا لإخواننا في هذه الأوقات الصعبة ، ونكون عونًا لهم على أنفسهم وعلى الشيطان ، وعلى أهل البدع وأهل الفسق وأهل الكفر والشرك ، ونكون لمنهج أهل الحق ناصرين ، منهج أهل السنة والجماعة ، الذي قلّ أهله من كثرة الشرك وأهله ، وكثرة البدع وأهلها ، وكثرة الفسق أهله ، وكذلك لقلة من يبين لهم الحق فيه ولقلة الكتابة فيه ، فالأمر هو:
إكراه المسلم على إيقاع الضرر بالمسلمين في سجون أهل الشرك ، أي إكراه المسلم في سجون الطواغيت من قبل أعوانهم الكفرة للاعتراف والتكلم والإضرار بالمسلمين ، وأن كان في تنظيم أو جماعة أو مجموعة أو حتى فرادى ، نذكر الحكم فيه شرعًا وعقلًا والمصلحة والمفسدة فيه ، ولقد سميت هذه الرسالة:
( الإكراه وحرمة الإضرار بالمسلمين )
ملاحظة:
نشكر إخواننا الذين ساهموا في إخراج هذه الرسالة ، ونسأل الله أن يوفقنا إلى كل خير ، وجزاهم الله كل خير .
اللهم يسر وأعن يا كريم
قال تعالى: « مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ » ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ »أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ » لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ »ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » [النحل:106-110] .
الإكراه: هو إلزام الغير بما لا يريده .
وشروط الإكراه أربعة:
الأول: أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به ، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار .
الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك .
الثالث: أن يكون ما هدد به فوريًا .
الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره (1) بهذه الشروط ، وهذا التعريف يقع الإكراه الملجئ ، الإكراه الصحيح الذي يعذر صاحبه به ، في قول أو فعل الكفر عند التعرض للإكراه .
ولكن ما حكم من يُكره من المسلمين في سجون أهل الشرك على الإضرار بإخوانه ، بمعنى الاعتراف عليهم ، وتعريف أماكنهم وأحوالهم لأهل الشرك ، وكل ذلك تحت الإكراه .
-فهل يحل للمسلم الاعتراف على المسلمين وإحضارهم إلى الكافرين مع الإكراه ؟
قبل الخوض في الجواب على هذا السؤال المهم جدًا ، نقول وبالله التوفيق ,
إن هناك أمورًا يجب على المسلم معرفتها وهي:
-أ ولًا: يقول الله تعالى: « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » [الحجرات:10]
ويقول: « وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » [التوبة:71] ، ويقول الله تعالى: « وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ » [المائدة:2] ويقول الله تعالى: « وَالْعَصْرِ » إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ »إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ » [العصر:1-3] ، ويقول: « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ » [الصف:4] .
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: » المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا « ، وشبك بين أصابعه . متفق عليه.
ويقول صلى الله عليه وسلم: » مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى « متفق عليه .
ويقول صلى الله عليه وسلم: » المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمُه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله بها كربة من كُرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلمًا سترهُ الله يوم القيامة « متفق عليه .
ويقول صلى الله عليه وسلم: » المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله ، كل المسلم على المسلم حرام ، عِرْضهُ ومالهُ ودمهُ ، التقوى ههنا ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم « رواه الترمذي وقال: حديث حسن .
ويقول صلى الله عليه وسلم: » لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانًا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله « رواه مسلم
ويقول صلى الله عليه وسلم: » لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه « متفق عليه .
ويقول صلى الله عليه وسلم: » انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا « فقال رجل: يا رسول الله ! أنصره إذا كان مظلومًا ، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره ؟ قال: » تحجزه - أو تمنعه - من الظلم فإن ذلك نصره « . رواه البخاري (1) .