فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 1037

ويقول صلى الله عليه وسلم: » والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه « رواه مسلم .

فهذه الآيات والأحاديث دالة على تعظيم حرمات المسلمين ، ومبينة لحقوقهم ورحمة بعضهم ببعض ، والتعاون بينهم على الخير ، وحرمة أذاهم ، والإحسان إليهم ، والموالاة التامة لهم ، والقيام على خدمتهم ، وستر عوراتهم ونصرتهم ، والذب عنهم والتواصي بينهم بالحق والصبر .

فكيف يكون المسلم أخا المسلم وهو يعترف عليه أمام الكفرة ويفشي ما بينهم من أسرار لنصرة دين الله تعالى ! وكيف يكون المسلم مواليًا للمؤمنين وهو يدل على أخيه ، ويتكلم بما عمله لدين الله للكفرة المرتدين ؟ وكيف يكون المسلم عونًا للمسلم على البر والتقوى وهو يجر أخاه إلى أهل الردة ، وهو يعترف عليه ويبين لهم أماكن أسرارهم ؟ وكيف يكون المسلم من الذين تواصوا بالحق والصبر وهو لا يصبر على البلاء والحديد والنار ، ويريد أن يكون أخوه معه ؟ وكل ذلك بحجة الإكراه ، وكيف يكون المسلم صفًا هو وأخوه وهما كالبنيان المرصوص ، وكلاهما يعترف على أخيه ويدل على عورة أخيه ؟ وكيف يكون المسلم كالجسد الواحد لباقي المؤمنين وهو لا يتحمل العذاب بل يجر باقي الجسد ليكون العذاب على كل الجسد بحجة الإكراه ؟ وكيف يكون المسلم في حاجة أخيه وعونه وهو يقول للكفار: أخي هو المسؤول وأنا غير مسؤول عمّا حصل؟ وكيف لا يخذل المسلم أخاه ولا يحقره ولا يظلمه وهو يسلمه إلى الكفرة الفجرة ليفعلوا به الأفاعيل من الضرب والقطع والقتل ؟ وكيف يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه ؟ فهل يحب المسلم لنفسه العذاب والسجن والقتل ، وهو كذلك يحب لأخيه ؟ وكيف ينصر المسلم أخاه وهو لا يمنع عنه الكفار ، بل يسلمه لقمة ً سائغة ً إليهم بذلك الاعتراف ، وقد يصل الحد أن يقول: إنه المسؤول عن كل شئ في هذا التنظيم أو هذه الجماعة ، وللأسف الشديد جدًا قد حصل هذا وأكثر منه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

كيف يكون المسلم سترًا لأخيه المسلم وهو يأتي بأخيه تحت التعذيب والكفار يهتكون ستر المسلم بالكلام والسب والقول الفاحش ، ويصل الحد والعياذ بالله إلى الفعل به ، وقد حصل ، وكل ذلك تحت حجة الإكراه .

-ثانيًا: وجوب تخليص المسلمين من أيدي الكفار ودفع المال لذلك ، وبذل النفس حتى لا يبقى أسرى تحت أيدي الكفار .

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره عند [الآية 85 ،من سورة البقرة] :"قال علماؤنا: فداءُ الأسرى واجب . وإن لم يبقى درهم واحد . قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى ، وبذلك وردت الآثار عنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسرى وأمر بفكهم ، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع ، ويجب فك الأسرى من بيت المال ، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين".

وذكر أيضًا رحمه الله في تفسيره عند [الآية 72 ،من سورة الأنفال] :"قال ابن العربي: إلا أن يكونوا أ ُسراء مستضعفين ، فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عين حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، وتبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم ، كذلك قال مالك وجميع العلماء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، على ما حل بالخلق من تركهم إخوانهم في أسر العدو ، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجَلَد"انتهى .

قال المصنف عفا الله عنه: فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، إننا في هذا الوقت ، وفي هذه الديار ديار الردة والكفر ، وإخواننا في سجون الطواغيت ونحن لا نحرك ساكنًا ولا نفعل شيئًا ، وإن كان الواجب عينيًا على كل مسلم استنقاذ الأسرى ، وذلك لأنه لم يقم بذلك أحد من المسلمين ، والأعظم منه والأكبر ضياع توحيد الخلاّق وعبادة غيره ، وعاد الإسلام غريبًا كما بدأ ، اللهم اغفر لنا وارحمنا وانصرنا على القوم الكافرين .

هذا قليل من كثير من أقوال العلماء في وجوب فك أسرى المسلمين . والسعي في ذلك بالمال والنفس ، ولكننا اليوم نجُرُّ أنفسنا وإخواننا إلى الأسر بتلك الاعترافات عند الوقوع تحت أيدي الكفار ، فكيف نحقق الوجوب المجمع عليه ، ونحن نفعل خلافه ، وكل ذلك بحجة الإكراه ؟ . - ثالثا ً: هذه بعض القواعد الفقهية الخاصة بموضوع الإكراه ، وما يتعرض له المسلم من التعذيب والسجن والقتل لأجل الإضرار بالمسلمين من قبل الكافرين.

-قاعدة الضرورة تقدر بقدرها: إذا رخصّ الشارع في قول الكفر وفعله تحت الإكراه ، فلا يعني ذلك دوام الكفر حتى ولو انتفى الإكراه الملجئ ، ويحصل من المسلمين اليوم قول الكفر أو فعله من غير إكراه ، مثل المسلم يطلبه الكفار للتحقيق معه وبدون أي إكراه منهم ، يقول: أنا أحافظ على دولتكم وأنا أحب الطاغوت وأنا يهمُّني أمن الدولة واستقرارها ، والواجب أن أدافع عنها ، وغير ذلك من الكلام الكفري ، مع أنهم لم يطلبوا منه ذلك ولم يكرهوه عليه فالضرورة تقدر بقدرها ،إذا أكره المسلم على الكفر ، هنا جاءت الرخصة ، وتنتهي الرخصة بانتهاء الإكراه ، ولا زيادة من قول أو فعل الكفر بعد انتهاء الإكراه ، ومن زاد بعد انتهاء الإكراه من قول الكفر أو فعله كان كافرًا .

فليعلم المسلم هذا الحكم ، وليكن على حذر من الوقوع فيه ، وليعلم أن التقية لا تحصل إلا بالإكراه ، وليس بالظن والهوى والخوف الذي يؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة .

-وقاعدة: الضرورات تبيح المحظورات: الذي رخصّ في الكفر هو الإكراه ، وليس الخوف من المشركين ولا دفع ضررهم بالكفر من غير إكراه ، واليوم من النادر أن يطلب الكفار من المسلم أن يكفر ويترك الدين ويسبه ، ولكن الأمر غير ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت