فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1037

-وقاعدة: إذا زال المانع عاد الممنوع: فإذا زال مانع الإكراه عاد الممنوع الذي هو حرمة قول الكفر وفعله .

-وقاعدة: يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: فالمسلم عليه أن يتحمل الضرر الخاص به وحده لأجل دفع الضرر عن المسلمين ، يتحمل التعذيب والضرب والقتل لأجل غيره من المسلمين ، أي: ذهاب فرد أولى من ذهاب مجموعة كاملة أو تنظيم ، فالضرر في الواحد أولى من الضرر في المجموعة أو الجماعة .

-ومثله قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ، ومثله قاعدة: إذا تعارضت مفسدتان دفع أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما .

-ومثله قاعدة: يختار أهون الشرين ، فدفع المسلم عن نفسه الضرر بالاعتراف على باقي إخوانه وخاصة ً إذا كان يجمعهم عمل لدين الله ، فلا شك أنهما مفسدتان هما هلاك مسلم أو أكثر . فهلاك مسلم (1) مع الضرورة أولى من هلاك أكثر من مسلم ، فيدفع بالأخف لتفادي الأعظم وفيما ذكرنا من القواعد كفاية لكي يعلم المسلم أن الأمر يحتاج إلى أمر شرعي ودليل صحيح حتى يقدم على العمل بيقين ، وليس بالجدل والجهل والكلام العقلي الخالي من الدليل النقلي .

فصل

نشرع وبالله التوفيق والإعانة في الجواب على السؤال الذي طرحناه في أول الرسالة: فهل يحل للمسلم الاعتراف على المسلمين وإحضارهم إلى الكافرين مع الإكراه ؟

نقول ولله الحمد: إنه لا إكراه أبدًا لمثل هذه الحالة ، ولا يعتبر إكراهًا يعود بالضرر على المسلمين ، وليس الإكراه مانعًا من لحوق الإثم لمن فعل مثل هذا الفعل ، وحرمة هذا الأمر شرعًا وعقلاُ واضحة كما كانت عند سلفنا الصالح محكمة بينة واضحة .

ذكرنا الآيات والأحاديث الدالة على حرمة الإضرار بالمسلمين ، ووجوب العون لهم والوقوف معهم ونصرتهم ، وهذا من موالاة المؤمنين .

فكيف يحل الإضرار بهم بحجة الإكراه ؟ وكيف تلغى كل تلك الواجبات ، وأيضًا الحرمة ، من أجل أمر مثل هذا ؟ أنه خطأ بيّن أن يظن أن الضرر بالمسلمين عند الإكراه رخصة .

وذكرنا الإجماع على وجوب فك أسرى المسلمين بالمال والنفس وحرمة التفريط فيه ، وعدم الإعانة عليه ، ثم المسلم يخالف هذا الوجوب وهذه الحرمة ليحضر أخاه إلى الكفار ويضعه أمامهم ليفعلوا فيه ما حرمه الله تعالى ، ثم إن المسلم هو القوي والكافر هو الضعيف ، والمسلم أعلى وأجلّ من الكافر ، فكيف يتم العكس ؟ وكل ذلك بحجة الإكراه .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه ( السياسة الشرعية ) عن من آوى محاربًا ، أو سارقًا ، أو قاتلًا ونحوهم ، ممن وجب عليه حد أو حق لله تعالى ، أو لآد مي ، أو أنه عرف مكانه ، كان عليه الإعلام به ، والدلالة عليه ، ولا يجوز كتمانه فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب (1) "بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبًا بباطل ، فإنه لا يحل الإعلام به ، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان ، بل يجب الدفع عنه ، لأن نصر المظلوم واجب ، ففي الصحيحين ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا « . قلت: يا رسول الله: أنصره مظلومًا ، فكيف أنصره ظالمًا ؟ قال: » تمنعه من الظلم ، فذلك نصرك إياه «" [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص (99) ط / دار الكتاب العربي] .

إن الحرمة قائمة ، وعلى المسلم تحمل التعذيب والسجن والقتل ، وأن يقدم نفسه لأجل إخوانه بتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ، وبأن يختار أهون الشّرين .

وقديمًا كان الإكراه على الكفر بالله ، كما جرى للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ، ولكن الإكراه اليوم يقع لأجل الضرر بالمسلمين ، والاعتراف عليهم وسجنهم وقتلهم .

فالإكراه الأول: قد رخصّ فيه الله تعالى وهذا سبب نزول الآيات [سورة النحل 106-110] ، أما الثاني فلم يرخص فيه الشرع أبدًا ، بل هو محرم ، ومن فعله وقع في الإثم والعياذ بالله (2) .

ومن الخطأ الكبير الخطير ، أن يقاس الثاني على الأول ، فالأول في حق الله تعالى وقد رخصّ فيه ، أما الثاني ففي حق المسلمين ، ولم يرخصّ فيه الله تعالى ، والمسلم لا يرضى لنفسه العذاب والوقوع في الأسر والقتل ، وأيضًا المفسدة راجحة والمصلحة معدومة ، ولأن الأول يتعلق بعقيدة القلب ، ومع صلاح القلوب لا يضر قول الكفر أو فعله عند الإكراه الملجئ ، فهنا المفسدة هلاك المسلم مع صلاح عقيدته وسلامتها ، فرخص فيه الشارع مع أن العزيمة أولى .

والثاني كيف يكون المسلم صالح العقيدة ، وهو يضع أخاه في أيدي الكفار ، فيعذبونه ويفعلون به المنكر ؟ حتى القتل فيقول أنا مكره على ذلك مع سلامة عقيدتي لأخي المسلم كيف ؟ وأنا مطمئن بالإيمان إيمان الولاء للمسلمين ، وهو يضعهم في ذلك الموقف الخاسر أمام أهل الردة والكفر .

إن دعوى سلامة القلب لا تنفع مع هذا الإكراه لأن الفعل ضعضع هذه الدعوى ، وضعفت الموالاة بين المسلمين عند وضع المسلم أمام الكفار يسومونه سوء العذاب .

فلا قياس معتبر أبدًا بين الحالتين ، ولكنه وسواس الشياطين ، وقلة العلم ونقص الإيمان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فإن كان الأقل من ذلك حرام مثل غيبة المسلم والطعن فيه ، أو ضربه ، أو سبه بأقل كلمة تؤذيه ، فما بالك بغيره ؟

إن تجويز إيقاع المسلم في أيدي الكفار وضربه وإيذائه وسبه وسب دينه وربه ونبيه وأن يفعل فيه الفحش من الأعمال ، ويصل الحد إلى القتل بحجة الإكراه ، إنما هو قياس باطل وقول ردي وفتوى ضلالة .

فيا عبد الله أحذر من ذلك ، وعليك بالحق المبين ، وأن تكون كبش فداء لإخوانك المؤمنين وتقدم الروح والمال في سبيل الله لأجل إخوانك .

والله لبذل الرمح أهون عندنا من أن يقع مسلم بين أيدي الكفار أو حتى يقال له كلمة واحدة من فم نجس كافر فيها إهانة لمسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت