يقول القرطبي رحمه الله تعالى:"أجمع العلماء على أن من أ ُكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ، ويصبر على البلاء الذي نزل به ، ولا يحل أن يفدي نفسه بغيره ، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة".
ويذكر رحمه الله أيضًا:"وذكر عبد الملك بن حبيب قال: حدثني معبد ، عن المسيب بن شريك ، عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يُؤخذ بالرجل ، وهل ترى أن يحلف ليتقيه بيمينه ؟ فقال: نعم . ولأن أحلف سبعين يمينًا وأحنث أحب إليَّ من أن أدُلَّ على مسلم".
وقال إدريس بن يحيى: كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الحلق يأتونه بالأخبار . قال: فجلس رجل منهم في حلقه رجاء بن حيوة ، فسمع بعضهم يقول في الوليد ، فرفع ذلك إليه ، فقال: يا رجاء أُذكر بالسوء في مجلسك ولم تغيّر ؟ فقال: ما كان يا أمير المؤمنين ؟ فقال له الوليد: قل: الله الذي لا إله إلا هو ، فقال: الله الذي لا إله إلا هو . فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطًا ، فكان يلقى رجاءً فيقول: يا رجاء بك يستقي المطر وسبعون سوطًا في ظهري ، فيقول رجاء: سبعون سوطًا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم « . تفسير القرطبي عند تفسيره آية الإكراه .
وفي فتح الباري ، كتاب الإكراه ، يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله:"فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه ، وأنه يُأثم إن قتل من أُكره على قتله ، وذلك يدل أنه مكلف حالة الإكراه ، ويقول أيضًا: ولا يجوز لأحد أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره"انتهى .
ويقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتاب (جامع العلوم والحكم ) عند الحديث التاسع والثلاثين:"واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يصح له أن يقتله ، فإنه إنما يقتله باختياره افتداءً لنفسه من القتل ، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم"انتهى .
فهذه الإجماعات تؤكد ما ذكرنا من حرمة أذية المسلم بالقتل أو ما دونه ولو مع الإكراه ، فكيف يحل للمسلم أن يوقع غيره فيما هو فيه من التعذيب أو السجن ؟ .
وليعلم المسلم أن الكفار اليوم يريدون أن يوقعوا بين المسلمين بمثل هذه الأحوال ، فهذا يعترف على هذا ، وهذا يضر هذا ، وهذا يقدح في هذا ، حتى تقع العداوة بين المسلمين ، وقد حدثت ولا حول ولا قوة إلا بالله .
والمصيبة أنه مع اعتراف الأخ على أخيه والدلالة عليه لا ينجيه ذلك من الأذى والسجن ، بل يقع الاثنان في الأسر والتعذيب والقتل ، فلماذا الاعتراف والضرر واقع على المسلم ، اعترف أو لم يعترف ؟
والحقيقة أنه مع الاعتراف يزيد التعذيب ، وكلما اعترف زاد التعذيب والأذى ، حتى يُخرج المسلم ما عند كله .
فأخوة الإسلام ، ورابطة التوحيد ، وقوة الإيمان بالله ، توجب على المسلم الدفاع عن أخيه وتحمل كل شئ في سبيل الله لإنقاذ إخوانه المسلمين ، ولكن ضعف الإيمان عندنا وكثرة المعاصي ، وقلة العلم ، وضعف رابطة الولاء بيننا أوقعتنا في مثل هذا المنزلق الخطير .
وعن سهل بن حنيف عنالنبي صلى الله عليه وسلم: » من أُذلَ عنده مؤمن فلم ينصرهُ ، وهو يقدر على أن ينصرهُ أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة « رواه أحمد والطبراني .
يقول الشوكاني رحمه الله في شرح هذا الحديث:"حديث سهل بن حنيف وما ورد في معناه يدل على أنه يجب تصر المظلوم ودفع من أراد إذلاله بوجه من الوجوه ، وهو مما لا أعلم فيه خلاف ، وهو مندرج تحت أدلة النهي عن المنكر" [نيل الأوطار ج4 / ص400] .
والله الذي لا إله إلا هو لو أن كل مسلم يقع تحت أيدي الكفار يفدي إخوانه بنفسه ويتحمل الأذى في سبيل الله حتى الموت والقتل في سبيل الله ، ولا يدل على إخوانه أبدًا ، لكان لنا قوة ونصرة ً من الله لا يعلمها إلا هو ، ولكن قدّر الله وما شاء فعل .
-فهذا جزء من الجواب من الناحية الشرعية وإليك الجزء الآخر من الناحية العقلية ، وإن كان في الشرعية غنية ٌ ، ولكن ردًا على الذين يقولون بالعقل ، بأن الضرر وقع على المسلم حتى لا يستطيع الدفع إلا بالاعتراف ، فنقول وبالله التوفيق وله الحمد:
إن الجانب العقلي يرى المصلحة والمفسدة ، ويفضل المصلحة على المفسدة وكذلك الشرعي ، وأيضًا يفضل المفسدة الصغرى على الكبرى ، فهو يدفع المفسدة الكبرى بالصغرى ، إن كان لا سبيل إلا هذا ، وكذلك الجانب الشرعي ، أما إذا حصل العكس فهذا ليس بالعقل بل فعل المجانين ، ونحن لا نرى مصلحة في هذا النوع من الإكراه ، بل هي مفسدة ، ومفسدة كبرى ، لأسباب عدة منها:
1-ضرر المسلم بنفسه حيث يظن أنه سينجو من التعذيب والسجن والقتل عند الاعتراف على إخوانه تحت الإكراه ، فيزيد عليه الضرر والأذى ويتسلط عليه الكفار أكثر من الأول وكذلك يشمت به الأعداء لأنه لم يحافظ على إخوانه ، ودل عليهم ، فيسقط من أعين الكفار ، ومن أعين المسلمين ، وقد يوقعه ذلك في عدم الثقة بالله وبنصر الله ، وفي الفتنة والسقوط في حفرة الردة والعياذ بالله .
2-إلحاق الضرر بالمسلمين ، بعد إن كان الضرر بواحد تعدى الضرر إلى المسلمين ، فيتسلط الكفار عليهم ، ويعرض المسلمين للفتنة وأعظمها فتنة الكفر والعياذ بالله .
3-إلحاق الضرر بأهالي المسلمين من فقدان العائل لهم ، وتعرضهم أيضًا للسجن والأذى من الكفار ، وفقد الأب والزوج والأخ ، وهكذا حتى يصل الحد إلى هتك الأعراض ، كما حصل من قِبَلِ الكفار عليهم لعائن الله ، إن كان في الأهل أو غيرهم ، والواقع يشهد على ما حصل في كثير من الدول التي تحكم بشريعة الغاب شريعة الشيطان نعوذ بالله منهم .