وهنالك الفتنة الكبرى ، أكبر من هذا كله وأعنف ، فتنة النفس والشهوة ، وجاذبية الأرض ، وثقلة اللحم والدم ، والرغبة في المتاع والسلطان ، أو في الدعة والاطمئنان ، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان ، والاستواء على مرتقاه ، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس وفي ملابسات الحياة وفي منطق البيئة ، وفي تصورات أهل الزمان ، فإذا طال الأمد ، وأبطأ نصر الله ، كانت الفتنة أشد وأقسى ، وكان الابتلاء أشد وأعنف ، ولم يثبت إلا من عصم الله ، وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان ، ويأتمنون على تلك الأمانة الكبرى ، أمانة السماء في الأرض ، أمانة الله في ضمير الإنسان ، وما بالله - حاشا لله - أن يعذب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنة ، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة ، فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو ثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء .
والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع ، وتطرقها بعنف وشدة ، فيشتد عودها ، ويصلب ويصقل ، وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات ، فلا يبقى صامدًا إلا أصلبها عودًا ، وأقواها طبيعةً ، وأشدها اتصالًا بالله وثقة ً فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر ، وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار ، إنهم ليتسلمون الأمان وهي عزيزة على أنفسهم بما أدوا لها من غالي الثمن ، وبما بذلوا لها من الصبر على المحن ، وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات ، والذي يبذل من دمه وأعصابه ومن راحته واطمئنانه ، ومن رغائبه ولذاته ، ثم يصبر على الأذى والحرمان يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل ، فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام .
فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمرٌ تكفل به وعد الله ، وما يشك مؤمن في وعد الله ، فإن أبطأ فلحكمة مقدرة ، فبها الخير والإيمان لأهله ، وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله ، وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة ويقع عليهم البلاء أن يكونوا هم المختارين من الله ليكونوا أمناء على حق الله وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة ، فهو يختارهم للابتلاء .
جاء في الصحيح: » أشد الناس بلاءً الأنبياءُ ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل ، ويبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء « .
وأما الذين يفتنون المؤمنين ، ويعملون السيئات فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين مهما انتفخ باطلهم وانتفش وبدا عليه الانتصار والفلاح .
وعد الله كذلك وسنته في نهاية المطاف « أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ » [العنكبوت:4]
فلا يحسب مفسد أنه مفلتٌ ولا سبق ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه وفسد تقديره ، واختل تصوره ، فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة ، ليمتحن إيمان المؤمن ، ويميز بين الصادقين والكاذبين ، هو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد .
وهذا هو الإيقاع الثاني في مطلع السورة الذي يوازي الإيقاع الأول ويعادله ، فإذا كانت الفتنة سنة جارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف ، فخيبة المسيئين وأخذ المفسدين سنة جارية لا بد أن تجئ .
أم الإيقاع الثالث فيتمثل في تطمين الذين يرجون بقاء الله ، ووصل قلوبهم به في ثقة وفي يقين.
« مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » [العنكبوت:5] .
فلتقر القلوب الراجية في لقاء الله ولتطمئن ، ولتنتظر ما وعدها الله إياه ، إنتظار الواثق المستيقن ، ولتطلع إلى يوم اللقاء في شوق ولكن في يقين .
والتعبير يصور هذه القلوب المتطلعة إلى لقاء الله صورة موحية ، صورة الراجي المشتاق ، الموصول بما هناك ، ويجيب على التطلع بالتوكيد المريح ، ويعقب علبه بالطمأنينة الندية ، يدخلها في تلك القلوب ، فإن الله يسمع لها ، ويعلم تطلعها ، « وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » [العنكبوت:5] .
والإيقاع الرابع يواجه القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان ، وما مشاق الجهاد ، بأنها إنما تجاهد لنفسها ولخيرها ولاستكمال فضائلها ، ولإصلاح أمرها وحياتها ، وإلا فما بالله من حاجة إلى أحد ، وإنه لغني عن كل أحد .
« وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ » [العنكبوت:5] .
فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق ، فإنما ذلك لإصلاحهم ، وتكميلهم ، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة ، والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه ، ويرفع من تصوراته وآفاقه ، ويستعلي به على الشح بالنفس والمال ، ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات ، وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة ، وما يود عليها من صلاح حالها ، واستقرار الحق بينها ، وغلبة الخير فيها على الشر ، والصلاح فيها على الفساد ، « وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ » .
فلا يقفن أحد في وسط الطريق ، وقد مضى في الجهاد شوطًا ، يطلب من الله ثمن جهاده ، ويمن عليه وعلى دعوته ، ويستبطىء المكافأة على ما ناله ،فان الله لا من جهاده شيء ،وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل: « إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ » ،و إنما هو فضل من الله أن يعنه في جهاده ، وأن يستخلفه في الأرض به ، وأن يأجره في الآخرة بثوابه: