ولا يعني ما كتبنا أننا نطعن في إخواننا أو أننا نسخر منهم ، فذلك فعل المنافقين ، ولكن هي ذكرى أحببنا تذكرتهم بها ، وهي كلمة حق ، كان الواجب علينا القول بها ، فإن كنا كتبنا بهذه اللهجة القوية وتلك الكلمات الجافة فإنما لِعِظَمِ الجريمة وشناعة الموقف والآلام التي فينا، فالمسلمون يتساقطون الواحد تلو الآخر ، وكل ذلك من جني أيدينا وحصائد ألسنتنا ، فإن كان الموقف قويًا فلتكن الكلمات قوية , والردود قوية ، وإن كانت الخسارة كبيرة في صفوفنا ، فهذه الكلمات وهذه الكتابة لا تساوي شيئًا أمام تلك الخسارة ، فليتحمل الواقع في مثل هذا الأمر هذه الكتابة وهذه الكلمات ، ولا ييأس من رحمة الله ، فالمؤمن لا ييأس من رحمة الله ، ولكن يسعى إلى التغيير من الخطأ إلى الصواب ، وقد يكون لإخواننا تأويلات وقعوا فيها أو رخص أجازت لهم ذلك ، فالله يهدي إلى صراطه المستقيم وهو يغفر الذنوب جميعًا ، فليعمل المسلم لصفحة جديدة وليقم بالخير والإصلاح ما استطاع ، ولتكن همته عالية وليسعَ للعلم والتعلم ، ولا يعمل عملًا حتى يعلم حكم الله فيه بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح .
ونسأل الله تعالى أن تكون هذه الرسالة عونًا للمسلمين على ما هم فيه من ضعف وقلة حال ، وتكون ردًا لإخواننا إلى جادة الصواب ، والاجتماع على الحق ، وللعمل بما فيها من الحق ، وتكون خطوةً إلى تأليف القلوب والتوادّ بين المسلمين ، إنه هو السميع العليم .
أقول أخيرًا: كان علينا على الأقل أن نتمسك بحرمة الاعتراف والإضرار بالمسلمين مع الإكراه ، لأن الواقع يشهد لنا بالسقوط مع الأخذ بالرخص الموهومة في حالة الإكراه المزعوم ، فالخسائر كثيرة بمثل هذه الرخص فعلينا بالعزائم إن كان الحكم دائرًا بين الرخصة والعزيمة ، ولكن الحكم أكبر من ذلك ، كما أوضحنا سابقًا ، إنما هو حرمة الإضرار بالمسلمين مع وجود الإكراه المزعوم .
وأختم كلامي بهدية أقدمها لإخواننا الموحدين وهي كلمات
لسيد قطب رحمه الله من كتابه ( في ظلال القرآن ) ، عند تفسير قوله تعالى « الم » أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ» [العنكبوت:1-2] :
"إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ، وأمانة ذات أعباء ، وجهاد يحتاج إلى صبر وجهد يحتاج إلى احتمال ، فلا يكفي أن يقول الناس: آمنّا ، وهم لا يتركون لهذه الدعوى ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها أو يخرجوا منها صافية عناصرهم خالصةً قلوبهم ، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه ، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب ، وهذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية ، من ميزان الله سبحانه « وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ » [العنكبوت:3] . والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله ، مغيب عن علم البشر فيحاسب الناس إذًا على ما يقع من علمهم ، لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم ، وهو فضل من الله من جانب وعدل من جانب ، وتربية للناس من جانب ، فلا يأخذ أحدًا إلا بما استعلن من أمره وبما حققه فعله ، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه."
ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة ، حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين .
إن الإيمان أمانة الله في الأرض ، لا يحملها إلا من هم لها أهل ، وفيهم على من حملها قدرة ، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص ، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمن والسلامة ، وعلى المتاع والإغراء ، وإنها لأمانة الخلافة في الأرض ، وقيادة الناس إلى طريق الله ، وتحقيق كلمته في عالم الحياة ، فهي أمانة كريمة وهي أمانة ثقيلة ، هي من أمر الله يضطلع بها الناس ، ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء .
ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه ، ولا يملك النصرة لنفسه ، ولا المنعة ، ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان ، وهذه هي الصورة البارزة للفتنة ، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة ، ولكنها ليست أعنف صور الفتنة ، فهناك فتن كثيرة في صور شتى ، وربما كانت أمرَّ وأدهى .
هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه وهو لا يملك عنهم دفعًا ، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم الحب والقرابة ، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو للهلاك ، وقد أُشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق عسير .
وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين،ورؤية الناس لهم ناجحين ، مرموقين ، تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير ، وتتحطم في طريقهم العوائق وتساغ لهم الأمجاد ، وتصفو لهم الحياة ، وهو مهمل منكر لا يحس به أحد ، ولا يحامي عنه أحد ، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئا.ً
وهناك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة ، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله ، وكل ما حوله غارقًا في تيار الضلالة ، وهو وحده موحش غريب طريد ، وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام فتنة قد يجد المؤمن أممًا ودولًا غارقةً في الرذيلة ، وهي مع ذلك راقية في مجتمعهم ، متحضرة في حياتها ، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان ، ويجدها غنية قوية وهي مشاقة ٌ لله .