فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 1037

كما قال تعالى: (( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، ومالكم ألاّ تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين، وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون.. ) ). [الأنعام: 118-121]

يدور كلام المفسرين لهذا الآيات على أمرين:

الأمر الأول: أن ما ذكر اسم الله عليه، هو ما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب وما لم يذكر اسم الله عليه هو ما مات حتف نفسه.

وكان المشركون من قريش يحرمون ما ذبح بالسكين ويحلون الميتة، ويرون أن ما ذبح قتله الإنسان، وما مات قتله الله، وأكل ما قتله الله أولى مما قتله الإنسان، سيرا على قياسات الشيطان الذي عصا ربه بها.

الأمر الثاني: أن المراد بما ذكر اسم الله عليه ما سمى اللهَ عليه حين ذبحه، وما لم يذكر اسم الله عليه ما ذُكر عليه اسم الوثن ونحوه، وفي ذلك تفاصيل لا يتسع لها المقام. [ راجع كتب التفسير، ومنها: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/188) وما بعدها، طبع دار الخير، والجامع لأحكام القرآن (7/72) وما بعدها للقرطبي.]

والشاهد منها هو كونهم يحلون ما يريدون ويحرمون ما يريدون من عند أنفسهم، بدون هدي ولا بينة من الله، وهو تشريع يعارض تشريع الله، وتحكيم لهواهم الذي يخالف تحكيم شرع الله.

وإذا عرفنا أن سورة الأنعام من السور المكية، ومنها هذه الآيات تبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُمر بالدعوة إلى تحكيم شرع الله في العهد المكي، وأن تحكيم شرع الله من الإيمان الذي لا تصح شهادة أن لا أله إلا الله إلا به.

ومثل ذلك قوله تعالى: (( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرِّمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم وصفهم بما كانوا يفترون، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذ كورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم... ) ). [ الأنعام: 138-139]

وقد بين الإمام الأصولي العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، المشهور بالشاطبي، في كتابه العظيم"الموافقات"أن الأصول الكلية للشريعة قد تضمنها القرآن الكريم في العهد المكي، وأن ما نزل بعد ذلك في العهد المدني من التشريع، إنما هو مكمل لتلك الأصول المكية، وأن ما قد يبدو من التشريع المدني كليا إذا ما تؤمل حق التأمل وجد جزئيا بالنسبة إلى ما هو أعم منه، أو تكميلا لأصل مكي.

قال رحمه الله: (المسألة الثامنة. فنقول: إذا رأيت في المدنيات أصلا كليا فتأمله تجده جزئيا [قال الأستاذ محمد عبد الله دراز في الحاشية:"كالجهاد فهو جزئي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما سيقرره قريبا...] بالنسبة إلى ما هو أعم منه، أو تكميلا لأصل كلي. [ قال دراز:"كالنهي عن شرب الخمر تكميلا لاجتناب الإثم والعدوان كما سيقول....] وبيان ذلك أن الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة وهي: الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

أما الدين فهو أصل ما دعا إليه القرآن والسنة وما نشأ عنهما، وهو أول ما نزل بمكة.

وأما النفس فظاهر إنزال حفظها بمكة، كقوله تعالى: (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق.. ) ). [الأنعام: 151] (( وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت.. ) ). [التكوير: 9] (( وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه. ) ). [الأنعام: 119] وأشباه ذلك.

وأما العقل فهو، وإن لم يرد تحريم ما يفسده وهو الخمر، فقد ورد في المكيات مجملا، إذ هو داخل في حفظ النفس، كسائر الأعضاء ومنافعها، من السمع والبصر وغيرهما، وكذلك منافعها.

فالعقل محفوظ شرعا في الأصول المكية عما يزيله كسائر الأعضاء ساعة أو لحظة [قال في الحاشية:"لعل الأصل: (لا ساعة أو لحظة) ومعناه أن ما يزيل العقل رأسا هو من الضروري الداخل في حفظ النفس إجمالا، وأما حفظه على أنه يزول ساعة ثم يعود فيكون من المكملات....] ثم يعود كأنه غطي ثم كشف عنه، وأيضا فإن حفظه على هذا الوجه من المكملات، لأن شرب الخمر قد بين الله مثالبها في القرآن، حيث قال: (( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر... ) ) [المائدة: 91] فظهر أنها من العون على الإثم والعدوان."

وأما النسل، فقد ورد المكي من القرآن بتحريم الزنا والأمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج أو ملك اليمين.

وأما المال، فورد فيه تحريم الظلم وأكل مال اليتيم والإسراف والبغي ونقص المكيال أو الميزان، والفساد في الأرض وما دار بهذا المعنى.

وأما العرض الملحق بها فداخل تحت النهي عن إذايات النفوس.

ولم ترد هذه الأمور في الحفظ من جانب العدم إلا وحفظها من جانب الوجود حاصل، ففي الأربعة الأواخر ظاهر.

وأما الدين فراجع إلى التصديق بالقلب، والانقياد بالجوارح، والتصديق بالقلب آت بالمقصود في الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ليفرع على ذلك ما جاء مفصلا في المدني فالأصل وارد في المكي. والانقياد بالجوارح حاصل بوجه واحد [قال الأستاذ دراز: أي متى وجد تكليف واحد بدني فإنه يتحقق به معنى كلي الانقياد بالجوارح الذي هو أحد ركني الدين.] ويكون ما زاد على ذلك تكميلا، وقد جاء في المكي من ذلك النطق بالشهادتين والصلاة والزكاة، وذلك يحصل به معنى الانقياد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت