فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 1037

وأما الصوم والحج فمدنيان من باب التكميل، على أن الحج كان من فعل العرب أولا، وراثة عن أبيهم إبراهيم، فجاء الإسلام فأصلح منه ما أفسدوا، وردهم فيه إلى مشارعهم، وكذلك الصيام أيضا فقد كانت الجاهلية تصوم يوم عاشوراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه أيضا حين قدم المدينة صامه وأمر بصيامه حتى نسخه رمضان، وانظر حديث عائشة في صيام يوم عاشوراء [مسلم (2/792) .] فأحكمهما التشريع المدني، وأقرهما على ما أقر الله تعالى من التمام الذي بينه في اليوم الذي هو أعظم أيامه حين قال تعالى: (( اليوم أكملت لكم دينكم.. ) )الآية، فلهما أصل في المكي على الجملة.

والجهاد الذي شرع بالمدينة فرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مقرر في مكة، كقوله تعالى: (( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر.. ) )وما أشبه ذلك). [ الموافقات (3/ 46-50) بتحقيق الأستاذ عبد الله دراز، والآية في سورة لقمان:]

وإذا علم أن أصول الشريعة الكلية قد نزلت في العهد المكي، وما نزل في العهد المدني فهو متمم أو مفصِّل لها، علم أن الدعوة إلى التشريع الإسلامي والدعوة إلى تحكيم شرع الله، من صميم الرسالة وأنها من الإيمان بالله تعالى وأن من اعتقد أن تحكيم شرع الله ليس من صميم التوحيد والإيمان فهو ضال جاهل لا يعلم دين الله حق العلم ولا يفقه حق الفقه، وفيما مضى كفاية لطالب الحق.

وهكذا كان أنبياء الله السابقون يدعون أقوامهم إلى تحكيم شرع الله تعالى، تطبيقا لمعنى لا إله إلا الله، فشعيب عليه السلام، دعا قومه إلى توحيد الله وإلى تحكيم شرعه الذي هو من التوحيد في الكيل والوزن وغير ذلك من الحقوق المالية، فأنكر عليه قومه تدخله في شؤون حياتهم وبخاصة المالية-وهو نهج العلمانيين في كل زمان، لا يستقر لهم قرار بوجود من يدعو إلى تحكيم شرع الله في حياة البشر، لأن ذلك يحرمهم من اتباع أهوائهم وتحقيق شهواتهم، عن طريق تشريعهم لأنفسهم ما يحقق لهم تلك الشهوات.

قال تعالى: (( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ، قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) ). [هود: 84-89] ]

تأمل ما أمرهم به شعيب: (( اعبدوا الله... ولا تنقصوا المكيال والميزان.. أوفوا الكيل والميزان ) ).

وتأمل رد قومه عليه: (( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء.. ) ).

أمرهم نبيهم بالاستسلام الكامل لله في الإيمان والتصرف في الأموال، وكانوا عند ذلك كفارا، ولو كان التشريع من عند أنفسهم في الأموال لا يدخل في الإيمان بلا إله إلا الله، لأخر الدعوة إليه حتى يؤمنوا بالله وحده، ولكن التشريع من الإيمان ولذلك جعله في دعوته قومه إلى الله من أولويات تلك الدعوة، وفهموا منها أن التسليم المطلق لله يقتضي ترك عبادة غير الله والتقيد بشرع الله في تصرفاتهم.

فالتسليم لشرع الله إيمان، ولا إيمان بدون تحكيم شرع الله.

وتأتي بعد ذلك الآيات المدنية، لتوضح توضيحا وافيا شافيا قضايا عملية تقرر فيها أن أعداء الإسلام من المنافقين-وهم الذين يمثلهم اليوم العلمانيون الذين يحاربون الإسلام-لما لم يرضوا بتحكيم شرع الله ورضوا بحكم الطاغوت، حكم الله عليهم بالضلال البعيد مع ادعائهم أنهم مؤمنون، ووصف الضلال بالبعيد يدل على أنه ليس ضلال مؤمن يغفره الله له، كما نص تعالى على أنهم منافقون، ونفى عنهم الإيمان نفيا مؤكدا حتى يستسلموا لشرعه ويرضوا به.

قال تعالى: (( الم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم-إلى قوله تعالى-فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما.. ) ). [النساء: 60-65]

وهذه الآية الأخيرة ذكر بعض العلماء أنها نزلت في الزبير بن العوام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمر، ومعنى ذلك أنها نزلت في ملسمين، وبذلك يكون الإيمان المنفي هو كمال الإيمان الواجب، وليس أصل الإيمان.

وقال آخرون: إنها نزلت في المنافق واليهودي الذين نزلت فيهما الآية الأولى: (( ألم تر إلى الذين يزعمون... ) )الآية، وأن اليهودي أراد الاحتكام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والمنافق أراد الاحتكام إلى غيره.

ويرى ابن جرير رحمه الله أن الآية الأخيرة ينسجم معناها مع الآية لأولى، ولا مانع من أن يكون فيها بيان لقصة الزبير والأنصاري.

قال رحمه الله: (وهذا القول-أعني قول من قال: عُنِي به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله:(( ألم تر الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) )أولى بالصواب لأن قوله تعالى: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) )في سياق قصة الذين أُسْدِيَ لله الخبر عنهم بقوله: (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك.. ) )ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت