فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 1037

فإن ظن ظان أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير-من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرة وقول من قال في خبرهما، فنزلت: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) )ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية من قصة الآيات التي قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في قصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري، إذ كانت الآية دالة على ذلك، وإذ كان ذلك غير مستحيل كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى، ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض فيعدل به عن معنى قبله). [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن (5/159-160) .] .

وعلى هذا القول الذي رجحه ابن جرير رحمه الله يكون التحاكم إلى الطاغوت والنفور عن التحاكم إلى شرع الله كفرا، وإن كانت دلالة الآية يدخل فيها ما حصل للزبير والأنصاري، فإن ذلك يكون بيانا لنفي الإيمان الواجب وليس لأصل الإيمان. [ لأن الأنصاري وإن حصل عنده شيء من الامتعاض من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم للزبير-لم يكن يريد التحاكم إلى الطاغوت، بخلاف المنافق. ] .

وعلى هذين المعنيين يمكن تنزيل الآيات الآتية:

(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.. ) )

(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الظالمون... ) )

(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.. ) ). [ المائدة: 44، 45، 47]

فالذي يحكم بغير ما أنزل الله معتقدا جواز ذلك، ولو حكم بما أنزل الله مع هذا الاعتقاد، فكفره كفر أكبر، وظلمه وظلم أكبر، وفسقه فسق أكبر، أي إنه ليس مسلما بل هو خارج عن ملة الإسلام.

والذين فسروا الكفر والظلم والفسق بالكفر الأصغر والظلم الأصغر والفسق الأصغر من السلف، لا بد أن يكون مرادهم بذلك من حكم بغير ما أنزل الله في بعض القضايا-لِهوى أو صداقة أو أخذ مال ونحو ذلك-وهو يعتقد أنه قد عصى ربه بما فعل، وليس من استحل الحكم بغير ما أنزل الله صراحة أو دلت القرائن الظاهرة أنه يفضل حكم الطاغوت على حكم الله، فهذا لا يمكن أن يقصده السلف يكفر دون كفر أو ظلم دون ظلم أو فسق دون فسق، لأنه مؤمن بالطاغوت كافر بالله. والله تعالى يقول: (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ). [ النحل: 36]

قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى:(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون... ) (( الظالمون ) (( الفاسقون ) )نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم، وعلى هذا المعظم.

فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد. فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكبُ جرمٍ فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) [الجامع لأحكام القرآن (6/190) ] .

وقال ابن القيم، رحمه الله: (والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله [كما يفعله من يسمون بالمشرعين في هذا العصر] فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه، فهذا مخطئ له حسكم المخطئين) . [ مدا رج السالكين: (1 / 336) .]

وإنما كان تحكيم شرع الله من غايات أهل الحق في السباق إلى العقول، لأن تحكيم شرع الله يعصم الأمم من الزلل والفساد والظلم والطغيان، ويقيم العدل ويعطي كل صاحب حق حقه ويساوي بين الناس، فلا يحابي أحدا على أحد، وبه تستقيم حياة البشر ويحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال، كما قال تعالى في فيمن حكَّم شرعه: (( ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور.. ) ). [ الحج: 40، 41]

يضاف إلى ذلك أن حكم الله عبادة يكفر من جحدها وحاربها، ولا يكون الإنسان موحدا لله إلا بإيمانه بذلك.

وأما تحكيم غير شرع الله فهو تحكيم للبشر، والبشر تتحكم في تشريعهم الأهواء والجهل وعدم الإحاطة بالمصالح والغفلة والحسد والحب والكره وغير ذلك.

وبذلك ينتشر الظلم والفساد والفواحش والتناحر بين الناس، لأن قوانين البشر تتعارض بتعارض مصالحهم وأهوائهم وجهلهم وبتصارع الناس على كراسي الحكم، فإذا غلب فرد فردا أو حزب حزبا أو دولة دولةً، شرع الغالب ما يريد من القوانين التي يحكم بها المغلوب، فيظلمه ويسلبه حقوقه ويعيث في الأرض فسادا، لعدم وجود ما يضبطه من شرع الله، وذلك هو حكم الجاهلية.

(( أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.. ) ). [المائدة: 50]

(( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وبئس المهاد.. ) ). [البقرة: 204، 206]

سابعا: تثبيت الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت