ولقد ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في الحدود والعقوبات ،كما ساوى بين جميع الناس في الحقوق المدنية ،وشؤون المسؤولية والجزاء والعقاب ،يقول صلى الله عليه وسلم ( لا تفلح أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي ) ،وقال ( إنَّما أهلك الذين من قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه ،وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد ،وأيم والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها) ،ويقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له بعد مبايعته بالخلافة: ( ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له ،وأضعفكم عندي من القوي حتى آخذ الحق منه .) وحرص على تكرار هذا المعنى نفسه أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: ( أيها الناس ! إنَّه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له ،ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه ) ،وجاء في رسالة عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري ،وهي الرسالة التي جمع فيها معظم أحكام الإسلام في القضاء: ( آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك ـ أي سو بين المتقاضين في جميع هذه الأمور ـ حتى لا يطمع شريف في حيفك ،ولا ييأس ضعيف من عدلك) . ويقول في وصيته للخليفة من بعده: ( اجعل النَّاس عندك سواء ،لا تبال على من وجب الحق ،ثُمَّ لا تأخذك في الله لومة لائم ،وإياك والمحاباة فيما ولاَّك الله ) .
5-إنَّ الإنسان مسؤول عن اختياره ليثاب إن أحسن ويعاقب ويجازى إن أخطأ،والرجل والمرأة متساويان في الجزاء والثواب ،كماهما متساويان في الإنسانية وفي تحمل أمانة الاستخلاف، وفي القصاص والحدود والعقوبات،يوضح هذا قوله تعالى: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًَا مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) وهو هنا يرد القرآن الكريم على ما أثير من تساؤلات في أحد المجامع الكنسية بروما التي منها:
هل المرأة إنسان ذو روح خالدة ؟ وهل هي أهل لأن تتلقى الدين ،وهل تصح منها العبادة ؟ وهل يتاح لها أن تدخل الجنة في الآخرة ؟؟
ثُمّ قرَّر المجتمعون ( أنَّ المرأة مجرد حيوان نجس لا روح له ولا خلود ،ولكن يجبُ عليها العبادة والخدمة ،كما يجب تكميم فمها كالبعير وكالكلب العقور لمنعها من الضحك والكلام لأنَّها أحبولة الشيطان )
6-الإنسان في الإسلام مادة وروح معًا ،فهو قبضة من طين ونفخة من روح الله ،يقول تعالى: (( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين فإذ سوَّيته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ) (سورة ص:71-72)
وقد وازن الإسلام بين الروح والجسد فلم يبخس للجسد حقًا ليوفي حقوق الروح،فيحرم المباح ،ولم يبخس للروح حقًا ليوفي حقوق الجسد، فيبيح المحرمات ،ويتضح هذا التوازن في قوله تعالى: (( وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) ) ( القصص: 77) ،هذا التوازن عجزت عن تحقيقه سائر الأديان والفلسفات ،وهنا تتجلى معجزة الإسلام فالإنسان في التصور الإسلامي موحد من حيث طبيعته بين النواحي المادية والروحية والحاجات النفسية.فالإسلام لا يؤمن بحيوانية الإنسان أي ماديته"كالداروينية"التي نشأت عنها المذاهب المادية كالماركسية والفرويدية القائمة على التفسير الجنسي الحيواني للسلوك الإنساني ،وغير ذلك من المذاهب القائمة على مادية الإنسان وحيوانيته ،والتي شملت كل اتجاهات الفكر الغربي،كما لا يؤمن برهبانية الإنسان كالبوذية والهندوكية التي تمخَّضت عنها الفلسفة المثالية كفلسفة أفلاطون في العصور القديمة وفلسفة هيجل في القرن التاسع عشر،وإنَّما يؤمن الإسلام بأنَّ الإنسان مادة وروح لا يمكن فصل هذين العنصرين عن بعضهما البعض.
والإنسان مخلوق مكرَّم (( ولقد كرَّمنا بني آدم ) ) (المائدة: 33) ،ومن مظاهر هذا التكريم: