إنَّ القتال في الإسلام يقوم على أسس أخلاقية عادلة ،فلا يأخذ العدو على غرة ،ونهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين ،فلقد روى رباح بن ربيعة أنَّه خرج مع رسول الله صلى الله علية وسلم في غزوة غزاها ،فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بامرأة مقتولة فوقف أمامها ثمَّ قال: ( ما كانت هذه لتقاتل ! ثُمّ نظر في وجه أصحابه وقال لأحدهم(الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفًا ـ أي أجيرًا ـ ولا امرأة) رواه مسلم.
ولقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه في غزوة مؤتة،وهو يتأهب للرحيل: ( ألا تقتلنَّ امرأة ولا صغيرًا ضرعًا ـ أي ضعيفًا ـ ولا كبيرًا فانيًا ،ولا تحرقنَّ نخلًا ولا تقلعنَّ شجرًا ولا تهدموا بيتًا ) ،وعن ابن عبَّاس رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال: (لا تقتلوا أصحاب الصوامع)
وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه ـ أول خليفة للمسلمين ـ قائده أسامة بقوله: ( لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ،ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ،ولا شيخًا كبيرًا ،ولا امرأة ، ولا تقهروا نخلًا ولا تحرقوه ،ولا تقطعوا شجرة مثمرة ،ولا تذبحوا شاة ،ولا بقرة ،ولا بعيرًا إلاَّ لمأكلة)
كما حرَّم الإسلام الإجهاز على الجرحى والتمثيل بجثث القتلى،وعدم إصابة المدنيين ،كما حثَّ على الإحسان في معاملة الأسرى ،وجعل الإحسان إليهم علامة الإيمان ،يقول تعالى: (( ويُطْعِمون الطَّعام على حبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيمًَا وَأَسِيرًَا .إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُم جَزاءًا وَلاَ شُكُورًا ) ) ( الإنسان: 8-9) ،ولا يجوز قتلهم ،ولا جرحهم ،ولا تعذيبهم ،وحثَّ على إطلاقهم بالمن عليهم أو فدائهم بينما نجد لم تظهر اتفاقيات أو معاهدات دولية لتنظيم معاملة الأسرى إلاَّ في أواخر القرن الثامن عشر ،وبالتحديد في سنة 1875م،وقد استقي معظمها من الإسلام.
ويرتفع الإسلام بالمسلم إلى ذروة الإنسانية وأكرم آفاقها حين يأمره بأن يعمل على توفير الأمن للمشرك الخائف ،وحمايته ،وإيصاله إلى بلده ومأمنه ،وفي ذلك يقول جلَّ شأنه: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنْ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُون ) ( التوبة: 6)
وقد أعطى الإسلام المرأة حق إجارة لمحارب مثلها مثل الرجل تمامًا ، وقصة إجارة أم هانئ رضي الله عنها لاثنين من المحاربين يوم فتح مكة تبيِّن ذلك،فعندما أراد أخوها سيدنا علي كرَّم الله وجهه قتلهما ،ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكت له ، فقال لها عليه الصلاة والسلام"ما كان له ذلك ،قد أجرنا من أجرت وأمنَّا من أمّنتِ"
هذه أحكام الإسلام في القتال، وهي أحكام ـ كما ترون ـ أخلاقية عادلة ،ولا توجد أية شريعة تضاهيها خلقًا وعدالة ،ومع هذا نجد هناك محاولات من الغرب إسقاط الجهاد وإلغاؤه ووصفه بالإرهاب ،وإلغاء حق المقاومة المشروع ليعم قانون الغاب ،فيعتدي القوي على الضعيف ،ولا يحق للضعيف الدفاع عن نفسه،لأنّه عندئذ سيصبح إرهابيًا ،وبالتالي يعم العالم الظلم والغبن والقهر.
في حين يسكت العالم بأسره عن جرائم اليهود في فلسطين ،أتعلمون ما هي أخلاقيات الحرب لدى اليهود وفق التوراة الذي حرَّفوه وفق أهوائهم ،والتلمود الذي كتبه كهنتهم ،وقدسوه وعدَّوه جزءًا من التوراة؟
إنَّ فكرة الحروب عند اليهود فكرة أساسية تعبر عن علاقتهم بغيرهم من الأمم ،وهم يعتقدون أنَّهم أرقى الشعوب،وأنَّ هذه منحة ربَّانية ،أعطاهم الرب إيَّاها: ( أنتم أولاد الرب إلهكم ،لأنَّكم شعبٌ مقدس للرب إلهك،وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب على جميع الأرض ) "سفر التثنية:14"
ومن ثمَّ فإنَّ حروبهم تدميرية لم يحظرها دينهم الذي حرَّفوه عليهم ،بل أباحها ومجَّدها ،ولم يضع القيود عليها ،فإذا حاربوا استباحوا أعداءهم ،فقتلوا الرجال ،واستعبدوا النساء والأطفال وأحرقوا البيوت (فضربًا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف وتحُرِّمها،بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف .تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها ،وتُحرق بالنار المدينة ،وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك فتكون تلًا إلى الأبد لا تبنى بعد ) "التثنية:إصحاح13: 16-17"
وجاء في الإصحاح العشرين من نفس السفر: ( حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح ،فإن أجابتك إلى الصلح ،وفّتحت لك ،فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك ، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا ،فحاصرها ،وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ،وأمَّا النساء والأطفال والبهائم ،وكل ما في المدينة غنيمة تغنمها لنفسك ،وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك )
هذه أخلاقيات الحرب عند اليهود،وشتَّان بين أخلاق القتال عند المسلمين وعند اليهود! ومع هذا لم توصف اليهودية قط بالإرهاب ، واليهود بالإرهابيين ،ولم يحارب التوراة والتلمود،كما يحارب القرآن الكريم والسنة النبوية ،ولم يحارب القتال عند اليهود ،بينما يحارب الجهاد في الإسلام ،ويعمل على إسقاطه ،وتغييبه حتى تدخل الغرب في توصيات أحد المؤتمرات الإسلامية وحذف كلمة جهاد منها.