فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 1037

وقد سار الخلفاء الراشدون على هذا المنهج من ذلك قول أبي بكر في أول خطبة ألقاها يوم توليه الخلافة ؛إذ قال: ( قد وليت ولستُ بخيركم ،فإن رأيتموني على حق فأعينوني ،وإن رأيتموني على باطل فسددوني ،أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم ،فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ) ،ويقول عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ( أيها الناس فمن رأى فيَّ اعوجاجًا فليقوِّمه ) وتقدم إليه رجل وقال: ( لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناه بسيوفنا ) ،فرد عليه عمر رضي الله عنه قائلًا ( الحمد لله أن كان في أمة عمر من يقوِّم اعوجاج عمر بالسيف)

هذه هي الديمقراطية في الإسلام ،وهذه الحرية في إبداء الرأي ،وفي مراقبة الحاكم ومحاسبته إن أخطأ.

وهذه هي الركائز الأساسية لنظام الحكم في الإسلام ،فهي قائمة على العدل والشورى والبيعة والمساواة والدعوة إلى احترام العمران والنهي عن الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وهو كما يتضح من أسسه نظام واضح يجمع بين الدين وأمور الحياة الدنيا فالدين الإسلامي دين ودولة.

وكما تبيَّن لكم أنَّ الأقليات التي تعيش في كنف الإسلام ،وبين رعايا الدول الإسلامية لا يخشى على كافة حقوقها المدنية والقانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ،وأكبر دليل عهد الأمان الذي أعطاه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لأهل بيت المقدس ،كذلك ولو ذهبنا إلى مصر نجد أنَّ العرب المسلمين أعطوا الحرية الدينية للقبط ،يؤيد ذلك ما فعله عمرو بن العاص رضي الله عنه بعد استيلائه على حصن بابلبيون ،إذ كتب بيده عهدًا للقبط بحماية كنيستهم ،ولعن كل من يجرؤ من المسلمين على إخراجهم منها ،وكتب أمانًا للبطريق بنيامين ،وردَّه إلى كرسيه بعد أن تغيب عنه زهاء ثلاث عشرة سنة ،وأمر عمرو رضي الله عنه باستقبال بنيامين عندما قدم الإسكندرية أحسن استقبال ،وألقى على مسامعه خطابًا بليغًا ضمنه الاقتراحات التي رآها ضرورية لحفظ كيان الكنيسة ،فتقبلها عمرو رضي الله عنه ، ومنحه السلطة التامة على القبط والسلطان المطلق لإدارة شؤون الكنيسة .

ولم يفرق العرب في مصر بين الملكانية واليعاقبة من المصريين ،الذين كانوا متساوين أمام القانون ،والذين أظلهم العرب بعدلهم وحموهم بحسن تدبيرهم ،وقد ترك العرب للمصرين ،وأخذوا على عاتقهم حمايتهم ،وأمنوهم على أنفسهم ونسائهم وعيالهم ،فشعروا براحة كبيرة لم يعهدوها منذ زمن طويل ،بل كانوا يعانون من ظلم البيزنطيين الذين كانوا يضطهدون الياعقبة لأنهم يختلفون معهم في المذهب ،يوضح هذا قول المستشرق البريطاني سير توماس أرنولد في كتابه"الدعوة إلى الإسلام": ( يرجع النجاح السريع الذي أحرزه غزاة العرب قبل كل شيء إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي ،لما عرف به من الإدارة الظالمة ،وما أضمروه من حقد مرير على علماء اللاهوت ،فإنَّ الياعقبة الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من السكان المسيحيين عوملوا معاملة مجحفة من أتباع المذهب الأرثوذكسي التابعين للبلاط ،الذين ألقوا في قلوبهم بذور السخط والحنق الذيْن لم ينسهما أعقابهم حتى اليوم )

كما أنَّ السلطان محمد الفاتح أعطى ـ حين دخل القسطنطينية فاتحًا ـ لبطريرك المدينة السلطان الداخلي على رعيته من النصارى ،بحيث لا تتدخل الدولة في عقائدهم ولا عباداتهم.

كما يروي لنا التاريخ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية طلب إلى أمير التتار إطلاق سراح الأسرى ،فأجابه الأمير التتاري إلى إطلاق سراح أسرى المسلمين وحدهم دون المسيحيين واليهود فأبى شيخ الإسلام رحمه الله ذلك وقال:"لا بد من إطلاق سراح الذميين من أهل الكتاب ، فإنَّهم أهل ذمتنا ،لهم ذمة الله ورسوله ،فأطلق الأمير سراحهم جميعًا ."

وأيضًا اعتراف الحاخام اليهودي"ديفيد وايس"الناطق الرسمي لحركة"ناطوري كارتا"إنَّ الدول الإسلامية أحسنت استضافة اليهود،وأود أن أشير هنا إلى أنَّ اليهود وصلوا إلى منصب الوزارة في الدولة المرينية في المغرب ،فاليهود في المغرب كان لهم دور كبير في الحياة السياسية في الدولة المرينية ،فكان خليفة بن ميمون ابن زمامة حاجبًا للسلطان في عهد السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق ،وتولت أسرة بني وقَّاصة اليهودية قهرمة القصر السلطاني في عهد السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق ،وفي عهد آخر سلاطين بني مرين ،السلطان عبد الحق بن أبي سعيد المريني تولى منصب الوزارة اثنان من اليهود هما هارون وشاويل ،وقد أدى تحكم اليهود في الدولة عن طريق هذين الوزيرين إلى مقتل السلطان عبد الحق المريني وسقوط الدولة المرينية،وهذا يبن مدى غدر اليهود بمن يحسن إليهم .

وتصريح البابا"شنودة"أنَّه يفضل العيش في كنف الحكومة المسلمة في مصر على أن يكون تحت رعاية دولة مسيحية في مصر ،وذلك لأنَّ هناك مخطط لتجزئة مصر وتفتيتها إلى دولة نوبية في الجنوب ،ودولة مسيحية في صعيد مصر ،ودولة إسلامية في شمال الدلتا ،وهو مخطط كبير لتفتيت العالم الإسلامي ،وقد وضع هذا المخطط المستشرق اليهودي البريطاني الأمريكي"برنارد لويس"

فما الذي يضير من تطبيق الحكم الإسلامي الذي يحفظ حقوق كافة البشر؟

هذا النظام الذي وضعه الخالق ،وهو أعلم بما يصلح لهم ،فهو أدرى بشؤون خلقه،وبما يصلح لهم،يقول تعالى: (( إنَّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) ) (النساء: 105)

الخاتمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت