وليت الكاتب شارك المسلمين فرحتهم بالنصر ، وبالفتح الإسلامي المبين .. ولا أدري لماذا أغفل الكاتب كيف أنجد البابا وحكام جينوا"قسطنطين دراغاريس"بجيش عظيم ، وكيف أن نصارى القسطنطينية لم يسكبوا الدموع لأنهم كانوا يعانون من ظلم ملكهم وفساده ، وانتشرت بينهم رسالة مشرقة صادقة عن عدل الإسلام ، وعدل محمد الفاتح ، حتى قام أحد وزراء النصارى"توتاراس"ينادي في شوارع المدينة قائلا ً (( أود من سويداء قلبي أن أشاهد في القسطنطينية تاج السلطان من أن أرى بها إكليل بابا أو قلنسوة كاردينال ) )! .. فالإسلام - يا خالص - قد فتح قلوب أهل المدينة قبل أن يفتح الجيشُ المدينة َ ، ومسح الإسلام الذي دخل القلوب الدموع التي كانوا يذرفونها من ظلم ملكهم .
إن الفتح - يا خالص - كان إسلاميًا يُرضي الله ورسوله والمؤمنين ، وأنقذ المظلومين المقهورين ، الذين كانوا يصبون دموعهم قبل الفتح لابعد الفتح . وعسى أن يتلطف المثقف خالص بمراجعة معلوماته عن الإسلام أولًا ثم عن فتح القسطنطينية .
كأنما فتّحوا غُلْفَ القلوب بها: فتحًا من الله لافَتْحًا من القُضُب
قسْطنطِنيّةُ هذا النّور فانتفضي: وكبّري واسجدي لله واقتربي
لولا فتوح رسول الله قلت هنا: فتح الفتوح وهذي زهرة الغَلبِ
تسابق الخلفاء المسلمون لها: على الزمان سباق الصادق الأربِ
فلم ينلها سوى هذا الفتى قَدَرًا: لله عِفيه في تُرْكٍ وفي عَرَبِ
ولقد ذهب الكاتب بعيدًا وأساء كل الإساءة وخالف العلم والحقائق حين هبط فشبّه محمد الفاتح حينًا بستالين وحينًا بشارون ! عجبًا كل العجب! حتى لو وسوس له الشيطان بهذا الخطأ ، لكان هناك ألف سبب يمنعه من إطلاق هذه الأقوال . وما كان لرجل مسلم يأخذ حقائق تاريخه من ظنون أعدائه ويدع الحديث الشريف وتاريخ الصحابة ، وحسبك أبو أيوب الأنصاري .
وستظل القسطنطينية غاية من غايات الفتوح الإسلاميّة . فهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يرويه معاذ بن جبل رضي الله عنه في سنن أبي داوود عن فتح آخر لهذه المدينة قبيل ظهور الدجال:
(( الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر . وفي حديث آخر جاء فيه (( ... وخروج الملحمة فتح القسطنطينية ، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ) )ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه ، ثم قال: إن هذا لحق كما أنك هنا ... )) !!
إن القسطنطينية تمثل بشرى بعد بشرى للمؤمنين ، ونصرا بعد نصر ، وفتحا بعد فتح .
وأعجب لماذا يغضب خالص من أمر يفرح له عيسى عليه السلام . فالرسول عيسى عليه السلام وسائر الأنبياء لم يأمروا ببيع ولا كنائس ، وإنما أقاموا مساجد يعبد فيها الله ويسجد الصادقون فيها لربهم جل وعلا .
كنيسة آلت إلى مسجد *** هدية السيد للسيد
هكذا يا جلبي يفهم تاريخ المسلمين ، وبهذه الروح لا بأسلوب يحمل الغيظ لكل خير يصيب المسلمين ، والغيظ لكل آسى يصيب غيرهم .. ولم أعهد هذا إلا فيما ذكره ربي (( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ... ) ).
لذا .. لا مجال لأن تقرن كنيسة القيامة في القدس بكنسية القسطنطينية التي قلت إنها قامت على الظلم الكبير حين أفرغ جوستنيان خزينة الدولة من اجل بنائها في تنافس ظالم على الدنيا وأطماعها .. تنافس بين ظالمين لم يأخذوا من النصرانية إلا شعارها.
إن محمدا الفاتح قائد مسلم لبى داعي الله ، فحمل أعظم رسالة لدى البشرية ، رسالة الإسلام ، ليبلغها للناس كافة . هذا أمر الله له ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .
ولقد كانت الفتوح الإسلامية عملا فريدا في التاريخ البشري كله .. تحمل النداء الرباني الذي نادى به ربعي بن عامر (( لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ) )كل ذلك - يا خالص - على ميزان رباني لا علماني !
ودونك عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية وجد محمد الفاتح وحامل وصيته يوصي ابنه أورخان وصيته الرائعة التي تكتب بماء الذهب فيقول (( اعلم يا بني أن نشر الإسلام وهداية الناس إليه وحماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنقك سيسألك الله عنها... ) )فهل قصر فهمهم عن هذا ؟
إن فتح القسطنطينية - بتوفيق الله - كان له أبعد الأثر في عزة الإسلام والمسلمين وكفاه أن ساهم بشكل فاعل في تأخير العدوان المستمر والمحاولات النامية الجادة ضد الإسلام والمسلمين . فالحرب دائرة لم تتوقف إلا عند انطلاقة كانطلاقة فتح القسطنطينية ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ... ) .
ليطمئن خالص وليبتلع بطيخة الصيف ؛ ففرحة المؤمنين ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست (( بظاهرة الوعي الانتقائي والعمى التاريخي ) )كما زعم . إنما هي ظاهرة الوعي الممتد والبصيرة المؤمنة . لا ضير من أن ننقد تاريخنا ، ونظهر الحسن والقبيح .. ولكن على أساس ميزان واضح وثابت .. ميزان رباني غير علماني ، وبروح إيمانية وليس بروح مدمرة ، فالنقد يهدف إلى البناء والإصلاح لا التدمير والإفساد ..
وإن أعجب فعجب من قول خالص عن الخليفة المسلم (( وتدثر الخليفة مرتاحا بين الغلمان والحريم بعباءة كسروية ) )!! ولاغرو .. فوسوسة الشيطان تزين الباطل في بعض النفوس ، وتظهر الأزمات النفسية من خلال لحن القول .. فهل من العدل تشبيه المؤمنين بالكافرين والوثنيين !