إن المغالاة بتصوير فتح القسطنطينية وتحويله إلى عملية ذبح ، وطرد لعلمائها محاولة غير عادلة ؛ فالحرب قتال ، سيُقتل أناس من هنا وهناك ، فليست العملية ذبح أهلها ، وإنما ذبح المقاتلين من قسطنطين وجنوده ، ففر من فر من أعوانه الظالمين حتى غدا فتح القسطنطينية بشرى لأهلها وخيرا كبيرا ونورا وهداية ونجاة مما كانوا فيه من فتنة وظلم وضلال.
لقد كتب الله على المؤمنين القتال ، وليس القتال هو الذي يكره الناس على الإيمان ، فلا إكراه في الدين . ولكنه يزيل الحجب والعقبات التي تحول دون أن يرى الناس نور الإسلام ليؤمنوا به ، ويزيل ( الصد عن سبيل الله ) لإنقاذ البشرية من عذاب الآخرة ، هذا بميزان من يؤمن بالآخرة ويؤثرها على الدنيا ، لا بميزان ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ... )
يبدو أن خالصا وشيخه جودت لم يفقها من آي الله جل وعلا إلا كلمة ( لا إكراه ) ، فحولها يدندنان وعليها يتكئان ... نعم ( لا إكراه في الدين ) ليست بذريعة لأن يترك الناس هملا لا يبين لهم الحق بدلا ، ولا يجاهد من أجل ذلك الحق ، فالله سبحانه لا يرضى لعباده الكفر ، وأمر عباده المؤمنين بإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه .
والنصوص الثابتة التي يعقلها أصحاب البصيرة تبين أن من مات على غير دين الإسلام فهو خالد مخلد في نار جهنم .. وهذا القرآن الكريم بين يديك - يا خالص - ؛ أفيترك الناس إلى أهوائهم وشهواتهم وشياطينهم يزينون لهم الفتنة والفساد والضلال ، حتى يموتوا هالكين ، فتقر عين كاتبنا الكريم ؟!
(( إن تاريخنا ليس مقدسا ) )ولكن الحق الذي يحمله والرسالة التي يحملها هي المقدسة، يحملها بشر تجري عليهم سنن الله . تدرس عيوبهم وأخطاؤهم لتجنٌّبها ، ولا يظلموا لأجلها فينسى فضلهم وجهادهم وصلاتهم وعبادتهم فيشبهون بكسرى ، وتربط حياتهم ( بالغلمان والحريم ) .. إنه أسلوب الهدم والظلم لا النقد والنصح . والأخطاء في تاريخنا يعرفها الكثيرون وليس أ. جلبي وحده ، والفرق يكمن في أن الذين درسوها من خلال منهج الله كانوا يرجون صلاح الأمة لا تمزيقها ، ويرجون بناء المستقبل لا هدمه .
سك النقود باسم هارون الرشيد أو غيره ليست بجريمة نهدم بها تاريخنا كله ، والدعوة لهم من على المنابر لا يجعلهم جميعا من عتاة المجرمين ... كلمات وألفاظ بحاجة إلى مراجعة وتقويم وإعادة نظر في عقلية قائلها.
إن أسلوب خلط الأمور الذي عمد إليه خالص عندما انتقل إلى دراسة الواقع اليوم ، غلب عليه الأسلوب المغري المخفي للمغالطات الواسعة ، فالأحداث الكبيرة التي ذكرها لا يحكم عليها بألفاظ عائمة ليُعزى كل شر فيها (( للعسكر ) )فقط !! .. فالعكسر أو الجيش أو المقاتلون إذا انطلقوا عن إيمان ورسالة وصدق التزام على نهج رباني ، يصبح الجيش ضروريا لا غنى عنه . وهل من أمة استغنت عن الجيش لحماية نفسها وأرضها ، وهل من عقيدة تحمي نفسها دون أن تعد العدة كما أمر الله .
ولقد استخدم الكاتب كلمة ( العنف ) وكأن العنف لا يصدر في واقعنا اليوم إلا عن المسلمين ، فهم وحدهم الملومون في فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير وأفغانستان ، كان عليهم أن يلقوا السلاح ، ويقولون سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ، فيداسوا بالأقدام أو يساقوا كالنعام ! كما يريد الكاتب !!
فهل غاب عن ناظريك يا خالص ( براءة ) الطرف الآخر ، فغدت مجازره - بنظرك - حدائق يانعة ، وظلمه عدل ، وقتاله أصل مشرع !!
هلا وجهت كلمتك لهم ، ودرست تاريخهم فلربما ظفرت بفاتح من عندهم تنتقده وتضعه في ميزانك الجائر الذي طففت به لا من الناحية الإيمانية ، ولا العلمية ، ولا الأدب مع قادة نصروا الله فنصرهم ، ونصروا دينه فأعزهم.
لقد ذكر الكاتب قضايا كثيرة من القديم والحديث في صورة مشوهة . كل قضية بحاجة إلى دراسة أمينة على ميزان أمين . فلم يكن أحد ليعجب الكاتب لأنه - حسب رأيه - كان له عسكر ، وجيش ، ودولة !! فالجريمة هي القوة لدى المسلمين ، أما الآخرون فمباح لهم أن يملكوا كل سلاح ليفتكوا ويبيدوا قطيعا من الأغنام تظل واقفة تنظر الجزار يحد شفرته !
ليتك تطلب من كبار المعتدين في الأرض اليوم أن يوقفوا أسلحة الدمار الشامل التي يملكونها ، ودعك من المسلمين فعسى الله أن يمدهم بعونه ، وهم يجابهون الواقع اليوم أما زحف ( عسكر الأعداء ) وهم لا ( عسكر ) لهم !
وليتك يا خالص تخلص نفسك من ميزانك ، وتستقيم على ميزان لا يبخس الناس أشياءهم ، يحب المؤمنين فينصح ولا يدمر ، ويكره الكفر والكافرين ولا ينصرهم ، ولا يشبه محمد الفاتح بستالين مرة وبشارون مرة ، وبآخرين مرات !!
(( إن شدة استحكام القوة أو أفكار القوة ليست في مفاصل الفكر الغربي ليفسدوا في الأرض ) )كلا ! إن القوة وأفكار القوة مستحكمة في مفاصل الأمم والشعوب كلها ، فهي لدى البعض لجمع ثروات الأرض لذواتهم ونشر الفساد لغيرهم ، ولدى البعض الآخر تكون القوة لحمل رسالة ربانية أمرهم الله أن يعدوا ما استطاعوا من قوة وعزيمة .
إن قضيتنا الأولى - يا خالص - هي قضية الإيمان الصادق والتوحيد الصافي والدين الحق الذي تحتاجه البشرية كلها لتنقذ نفسها مما هي فيه من صراع مستمر وحرب وإبادة ، وعدوان بعد عدوان ، ولتنقذ نفسها من عذاب الآخرة .
وليست قضيتنا الأولى الاشتراكية أو الديمقراطية أو الشيوعية أو الرأسمالية أو غيرها من المصطلحات التي يتخفى تحتها الظالمون … إنها مذاهب بشرية متناحرة ، والإسلام دين الله ! فمن خرج عن هذا الدين الحق أهلك نفسه ، ولو حمل بطاقة دنيوية إسلامية .
ودونك الفذلكة: