فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 1037

فإن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليدل الناس على الإسلام الذي هو أكمل الشرائع ، وأمره( أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله . ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم ولا أن يشق من بطونهم ، بل يُجرى عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه ، ويجرى أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونياتهم ، فأحكام الدنيا على الإسلام ، وأحكام الآخرة على الإيمان .

ولهذا قبل إسلام الأعراب ، ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين ، وقبل إسلام المنافقين ظاهرًا ، وأخبر أنّه لا ينفعهم يوم القيامة شيئًا ، وأنّهم في الدرك الأسفل من النار .

فأحكام الله تعالى جارية على ما يظهر للعباد ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه ) ( [17] ) .

فانقسم الناس تجاه دعوته إلى المؤمنين الصادقين ، والكفار الظاهرين ، والمنافقين المستترين ، فعامل كلًا بما أظهر ، ثم إن أهل الإيمان انقسموا بحسب تفاوت درجاتهم في الإيمان والعمل الصالح إلى درجات كما قال تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } ( سورة فاطر آية 32 ) .

وحكم على من أظهر كفره من المنافقين ، أو كفر من المسلمين بالقتل كفًّا لشرهم درعًا لغيرهم فإنّ محاربتهم للإسلام بألسنتهم أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان ، وفتنة هذا في القلوب والإيمان ، وهذا بخلاف الكافر الأصلي ؛ فإن أمره كان معلومًا ، وكان مظهرًا لكفره غير كاتم له ، والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه ، وجاهروه بالعداوة والمحاربة ، ولو ترك ذلك الزنديق لكان تسليطًا له على المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبّة الله ورسوله وأيضًا فإن من سب الله ورسوله وكفر بهما فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا فجزاؤه القتل حَدًّا ولا ريب أن محاربة الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادًا فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم ولا تأتي بقتل من صال على كتاب الله وسنة نبيّه بين أظهر المسلمين من أعظم المفاسد . ( [18] )

وبين يديك - أخي القارئ الكريم - ورقات قليلة في جريمة الردّة تعرض جانبًا من نظرة الإسلام إليها وإلي عقوبتها سائلًا الله تعالى أن ينفع بها .

تعريف الردّة:

الردّة في اللغة: الرجوع عن الشيء والتحول عنه ، سواء تحوّل عنه إلى ما كان عليه قَبْل ، أو لأمرٍ جديد .

ويقال: ارتدّ عنه ارتدادًا ، أي: تحوّل .

ويقال: ارتد فلانٌ عن دينه إذا كفر بعد إسلامه . ( [19] )

وتدل في الاصطلاح الشرعي: على كفر المسلم بقول أو فعل أو اعتقاد . ( [20] )

وقوع الردَّة وحصولها:

الردّة عن الإسلام والتحوّل عنه - أعاذنا الله منها وثبتنا على دينه - أمر ممكن الحصول فقد ذكرها الله تعالى في كتابه محذرًا منها ، ومبينًا عاقبتها ؛ قال تعالى: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } ( سورة البقرة آية 217 ) .

وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ( سورة المائدة آية 54 ) .

وقال تعالى: { من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } ( سورة النحل آية 109 ) .

في آيات كثيرة تبين هذه المعنى .

كما أخبر تعالى عن وقوع الكفر من طائفة من الناس بعد إيمانهم .

قال تعالى: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطان سَوّل لهم وأملى لهم } ( سورة محمد آية 25 ) .

وقال: { ولئن سألتهم ليقولُن إنما كنا نخوص ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } ( سورة التوبة آية 65 ، 66 ) .

وقال: { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } ( سورة التوبة آية 74 ) .

وقال: { إنّ الذين آمنوا ثم كفروا ثم أمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا } ( سورة النساء آية 137 ) .

كما وقعت الردة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف نذكر منها: قصّة عبيد الله بن جحش فإنّه كان قد أسلم وهاجر مع زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة فرارًا بدينه .

قالت أم الحبيبة: رأيت في النوم عبيد الله زوجي بأسوأ صورةٍ وأشوهها ، ففزعت وقلت: تغيّرت والله حالُهُ ! . فإذا هو يقول حيث أصبح: إنّي نظرت في الدين ، فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية ، وكُنت قد دنت بها ، ثم دخلت في دين محمد ، وقد رجعتُ ، فأخبرتُهُ بالرؤيا ، فلم يحفِل بها ، وأكبَّ على الخمر .. حتى مات . ( [21] )

ومنها ما حصل عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة .

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة:"مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسِّير أنّه كان رجال قد آمنوا ثم نافقوا ، وكان يجرى ذلك لأسباب: منها أمر القبلة لما حوّلت ارتدّ عن الإيمان لأجل ذلك طائفة ، وكانت محنة امتحن الله بها الناس . قال تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } ( سورة البقرة آية 143 ) " ( [22] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت