فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 1037

ومنها ما حصل في غزوة تبوك أن قال رجل في غزوة تبوك: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا ، وأكذبنا ألسنةً وأجبننا عند اللقاء ، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب . فقال { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( [23] )

وقريب من هذا ما حصل لهشام بن العاص رضي الله عنه فإنّه أسلم وتواعد على الهجرة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم إنّه حبس عنه وفتن فافتتن .

قال ابن إسحاق وحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر في حديثه قال: فكنا نقول: ما الله بقابلٍ ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا توبة ، قومٌ عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاءٍ أصابهم ! .

قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرحيم } ( سورة الزمر آية 53 ) .

فقدم المدينة بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( [24] )

وسيأتي في ثنايا المقال مواقف ونصوص أخرى تدل على حصول الردة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأنها لم ترتبط بعداوة الإسلام وحربه ولكنها كانت مع ذلك ردّة موجبة للخروج عن الإسلام وموجبة لتجريم فاعلها ولو لزم داره .

بل إن المنافقين في الصدر الأول كان منهم من آمن ثم نافق بعد إيمانه ، وهذه ردّة أيضًا .

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة:"وكذلك لما انهزم المسلمون يوم أحد وشجّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته ، ارتد طائفةٌ نافقوا .. قال تعالى: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا } ( سورة آل عمران آية 166 ، 167 ) . فإن ابن أبيّ لما انخزل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد انخزل معه ثلث الناس ، قيل: كانوا ثلاثمائة ، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن ؛ إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق ..."

وفي الجملة: ففي الأخبار عمّن نافق بعد إيمانه ويطول ذكره" ( [25] ) ."

عظم جريمة الردّة:

إنّ أهم مقصد جاء الإسلام بتحقيقه في الناس هو تحقيق توحيد الله والإيمان به ونفي الشرك والكفر والتحذير منهما ، وقد جاءت أيضًا بحفظه في نفوس من اعتنقه وذلك أن العالَم لا يستقيم بدونها ، فضياعها مهلك للبشر ، وإذا تأمل الإنسان حال البشريّة عند بعثة المصطفى عليه الصلاة والسلام فسيجد أنّه بعث على فترةٍ من الرسل في زمن تخبطت فيه البشريّة كما وصفوا في الحديث القدسي: ( إنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم( [26] ) عن دينهم ، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانًا وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب .. ) ( [27] ) .

وهؤلاء البقايا مات أكثرهم قبل مبعثه ( [28] ) ، فصار الناس في جاهليّة جهلاء من مقالات مبدّلة أو منسوخة أو فاسدة قد اشتبهت عليهم الأمور مع كثرة الاختلاف والاضطراب .

( فهدى الله الناس ببركة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى ، هدايةً جلّت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين ، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا ولأولي العلم منهم خصوصًا ، من العلم النافع والعلم الصالح ، والأخلاق العظيمة ، والسنن المستقيمة ، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علمًا وعملًا إلى الحكمة التي بُعث بها لتفاوتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى ) . ( [29] )

ولذا صار الشرك بالله تعالى أعظم الذنوب . عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال: ( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ) قلت: ثم أيّ ؟ قال: ( أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ) قلت: ثم أيّ ؟ قال: ( أن تزاني حليلة جارك ) ( [30] ) .

وعند تأمل حال أمة ليس فيها سلطان للدين ولا رقيب منه وكيف يتسلط بعضهم على بعض عند ذلك ، لأن أهواء الناس تتفاوت وتختلف وكل شخص سيفعل ما يراه مصلحةً له بحسب هواه ، وإن منعه وازع من السلطان في العلن ، فلن يتحفظ في السرّ ، وعند ضعف الوازع السلطاني ؛ عن الاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض ، فترى النفوس تغتال والأموال تختلس والأعراض تنتهك ، والشاهد الجلي لهذا حال الدول غير المسلمة إذا ضعفت فيه السلطة فتحصل الاغتيالات وانتهاب الأموال وانتهاك الأعراض . ( [31] )

ولذا كانت البيعة التي يأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء تتضمن أن لا يشركوا ولا يزنوا ولا يقتلوا كما في سورة الممتحنة وكتب الحديث . ( [32] )

بل ( ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعةً: الشرك والزنا وقتل النفس ، ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة ! الجريمة الأولى قتل للفطرة ، والثانية جريمة قتل للجماعة , والثالثة جريمة قتل للنفس المودة ، إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد: فطرة ميتة .. ومن ثَمّ يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسم العقوبات ؛ لأنّه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار .. ) ( [33] ) .

والتساهل في هذه العقوبة يؤدي إلى زعزعة النظام الاجتماعي القائم على الدين ، فكان لابد من تشديد العقوبة لاستئصال المجرم من المجتمع ومنعًا للجريمة وزجرًا عنها وشدة العقوبة تولّد في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها ، ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال . ( [34] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت