وقد تجلى حسن الخلق عند المسلمين في تعاملهم مع غيرهم في كثير من تشريعات الإسلام التي أبدعت الكثير من المواقف الفياضة بمشاعر الإنسانية والرفق.
فقد أوجب الإسلام حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين ، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين وإن جهدا في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته: ]وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا[ (لقمان: 15) .
قال ابن كثير:"إن حرصا عليك كل الحرص، على أن تتابعهما على دينهما؛ فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك أن تصاحبهما في الدنيا ]معروفًا [ أي محسنًا إليهما".[146]
وقد جاءت أسماء بنت الصديق إلى رسول الله r تقول: يا رسول الله ، قدمت عليّ أُمّي وهي راغبة ، أفأَصِلُ أُمي؟ فأجابها الرحمة المهداة: (( صِلِي أُمَّك ) ). [147]
قال الخطابي:"فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة؛ وإن كان الولد مسلمًا". [148]
قال محمد بن الحسن:"يجب على الولد المسلم نفقة أبويه الذميين لقوله تعالى: ]وصاحبهما في الدنيا معروفًا [ (لقمان: 15) ، وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتقلب في نعم الله، ويدعهما يموتان جوعًا، والنوازل والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، استحقاقهم باعتبار الولاد بمنزلة استحقاق الأبوين".[149]
وفي مثل آخر لصلة الرحم - وإن كانت كافرة - يقول عبد الله بن مروان: قلت لمجاهد: إن لي قرابة مشركة، ولي عليه دين، أفأتركه له؟ قال: نعم. وصِله. [150]
ويمتد البر وصلة الرحم بالمسلم حتى تبلغ الرحم البعيدة التي مرت عليها المئات من السنين، فها هو r يوصي أصحابه بأهل مصر خيرًا ، برًا وصلة لرحم قديمة تعود إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث قال r: (( إنكم ستفتحون مصر .. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذِمة ورحِمًا ) ). [151]
قال النووي:"وأما الذمة فهي الحرمة والحق , وهي هنا بمعنى الذمام ، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم". [152]
ومن البر وصلة الأرحام عيادة المريض ، فقد عاد النبي r عمه أبا طالب في مرضه [153] ، وعاد أيضًا جارًا له من اليهود في مرضه، فقعد عند رأسه. [154]
ومن صور البر التي تهدف إلى كسب القلوب واستلال الشحناء؛ الهدية، وقد أهدى النبي r إلى مخالفيه في الدين، من ذلك ما رواه ابن زنجويه أن رسول الله أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة، وهو بمكة، وكتب إليه يستهديه أدمًا، فأهدى إليه أبو سفيان. [155]
وقبِل r في خيبر هدية زينب بنت الحارث اليهودية، لكنها هدية غدر لا مودة، فقد أهدت له شاة مشوية دست له فيها السم. [156]
وفي مرة أخرى دعا يهودي النبي r إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه r. [157]
كما قبِل النبي r هدايا الملوك إليه، فقِبل هدية المقوقس، وهدية ملك أيلة أكيدر، وهدية كسرى. [158]
قال ابن قدامة:"ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب لأن النبي e قبل هدية المقوقس صاحب مصر". [159]
وأهدى النبيُّ r عمر بن الخطاب t حُلّةً ثمينة، فأهداها عمر t أخيه بمكة كان يومئذ مشركًا. [160]
قال النوويّ:"وفي هذا دليل لجواز صلة الأقارب الكفار , والإحسان إليهم, وجواز الهدية إلى الكفار". [161]
ويروي البخاري في الأدب المفرد عن مجاهد أنه سمع عبد الله بن عمرو t يقول لغلام له يسلخ شاة: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي. فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله!؟ فقال: سمعت النبي e يوصي بالجار، حتى خشينا أنه سيورثه. [162]
وحين تحدث الفقهاء عن حقوق الضيف رأوا وجوبها لكل ضيف، سواء كان مسلمًا أم غير مسلم، قال أبو يعلى:"وتجب الضيافة على المسلمين للمسلمين والكفار لعموم الخبر، وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل، وقد سأله إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ فقال: قال r: (( ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم ) )، دل على أن المسلم والمشرك مضاف .. يعم المسلم والكافر". [163]
ومن حق الضيافة إكرام الضيف على قدر الاستطاعة ، وقد صنعه النبي r لما جاءه عدي بن حاتم، يقول عدي:"أتيتُ رسول الله r وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي .. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها". [164]
ومن أعظم أنواع البر وصوره؛ دعاءُ النبي r لغير المسلمين، وهو بعض رحمته r للعالمين، ومنه دعاؤه لقبيلة دوس ، وقد قدم عليه الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوسًا قد كفرت وأبت ؛ فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس - أي ستهلك بدعائه عليها - فقال e: (( اللهم اهد دوسًا، وائت بهم ) ). [165]
ولما قيل له r في موطن آخر: يا رسول اللّه، ادع على المشركين .. قال: (( إنّي لم أبعث لعّانًا، وإنّما بعثت رحمةً ) ). [166]
رابعًا: العدل في معاملتهم ورفع الظلم عنهم
إن من أهم المُثل ومكارم الأخلاق التي جاء الإسلام لحمايتها وتتميمها؛ العدل، والعدل غاية قريبة ميسورة إذا كان الأمر متعلقًا بإخوة الدين أو النسب، وغيرها مما يتعاطف له البشر.
لكن صدق هذه الخُلة إنما يظهر إذا تباينت الأديان وتعارضت المصالح، وهو ما يعنينا في هذا المبحث، فما هو حكم الإسلام في العدل مع غير المسلمين، وهل حقق المسلمون ما دعاهم إليه دينهم أم خالفوه؟
لقد أمر القرآن الكريم بالعدل، وخصَّ - بمزيد تأكيده - على العدل مع المخالفين الذين قد يظلمهم المرء بسبب الاختلاف والنفرة، قال تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى[ (المائدة: 8) .