قال القرطبي:"ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يُقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المُثلة بهم غير جائزة ، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا، وغمّونا بذلك؛ فليس لنا أن نقتلهم بمثله قصدًا لإيصال الغم والحزن إليهم". [167]
وقال البيضاوي:"لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمُثلة وقذف وقتل نساء وصِبية ونقض عهد، تشفيًا مما في قلوبكم ]اعدلوا هو أقرب للتقوى [ أي: العدل أقرب للتقوى".[168]
وأعلم الله تعالى المؤمنين بمحبته للذين يعدلون في معاملتهم مع مخالفيهم في الدين الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: ]لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين[ (الممتحنة: 8) . فالعدل مع الآخرين موجب لمحبة الله.
وحذر النبي r من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم، وجعل نفسه الشريفة خصمًا للمعتدي عليهم، فقال: (( من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة ) ). [169]
وأكد أن ظلم غير المسلم موجب لانتقام الله الذي يقبل شكاته ودعوته على ظالمه المسلم ، فقال r (( اتقوا دعوة المظلوم - وإن كان كافرًا - فإنه ليس دونها حجاب ) ). [170]
ولمزيد التأكيد يوصي رسول الله r المسلمين بعدم التعرض للمستضعفين من غير المسلمين بالظلم والتسلط، فيقول: (( لعلكم تقاتلون قومًا فتظهرون عليهم، فيتقوكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك ، فإنه لا يصلح لكم ) ). [171]
لذا لما سأل رجل ابن عباس فقال: إنا نمر بأهل الذمة، فنصيب من الشعير أو الشيء؟ فقال الحبر ترجمان القرآن: (لا يحل لكم من ذمتكم إلا ما صالحتموهم عليه) . [172]
ولما كتب النبي كتاب صلحه لأهل نجران قال فيه: (( ولا يغير حق من حقوقهم ، ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين ) ). [173]
أما منتهى الظلم وأشنعه، فهو قتل النفس بغير حق، لهذا جاء فيه أشد الوعيد وأعظمه، يقول r: (( من قتل معاهَدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا ) ). [174]
قال ابن حجر:"المراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم". [175]
ومن الطريف أن الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين وأوغلوا فيها توقفوا عن قتل أهل الذمة خشية نقض عهدهم. قال ابن حجر:"الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم". [176]
وقال r: (( أيما رجل أمّن رجلًا على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافرًا ) ). [177]
قال ابن القيم:"المستأمن يحرم قتله، وتضمن نفسه، ويقطع بسرقة ماله". [178]
ويقول القرطبي:"الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقِق ذلك: أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه". [179]
وقد ذهب جمع من العلماء على أن المسلم يقتل بقتله النفس المعصومة من غير المسلمين، وتأولوا الحديث الوارد في النهي عن ذلك.
ويروي عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أن رجلًا مسلمًا قتل رجلًا من أهل الذمة من أهل الحيرة على عهد عمر، فأقاد منه عمر. [180]
ويروي الشافعي في مسنده أن رجلًا من المسلمين أُخذ على عهد علي t وقد قتل رجلًا من أهل الذمة، فحكم عليه بالقصاص، فجاء أخوه، واختار الدية بدلًا عن القود، فقال له علي:"لعلهم فرقوك أو فزّعوك أو هددوك؟"فقال: لا ، بل قد أخذت الدية، ولا أظن أخي يعود إلي بقتل هذا الرجل، فأطلق علي القاتل، وقال:"أنت أعلم، من كانت له ذمتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا". [181]
ويحدث ميمون بن مهران أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميًّا، فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه. يقول ميمون: فدفع إليه، فضرب عنقه، وأنا أنظر. [182]
ولئن اختلف الفقهاء في مسألة قتل المسلم بالذمي؛ فإنهم لم يختلفوا في عظم الجناية وشناعة الفعل، كما لم يختلفوا في وجوب العدل مع مخالفيهم في الدين ووجوب كف الأذى والظلم عنهم.
قال r: (( إن الله عز وجل لم يُحِلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ، ولا ضَرْبَ نسائهم ، ولا أكلَ ثمارهم ، إذا أعطوكم الذي عليهم ) ). [183]
ويرى ابن عابدين في حاشية الدر المختار وجوب"كف الأذى عن الذمي، وتحرم غيبته كالمسلم". [184]
ويفسر ابن عابدين ذلك بقوله:"لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد". [185]
قال القرافي:"عقد الذمة يوجب حقوقًا علينا لهم، لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله r ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عِرْض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله r وذمة دين الإسلام". [186]