فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 1037

وثمة خطأ منهجي آخر وهو سوء الفهم أو الجهل وهو وصف الرسول e بأنه"شيخ الأمة"، فلو كانت المسألة كذلك لما واجه تلك العقبات والعراقيل. وقد عرض كفار قريش عليه أن يكون ملكًا عليهم وأن يتخلى عن الرسالة فأبى ذلك أشد الإباء ( [289] ) . وإن السبب في محاولة قريش أن تعرض على الرسول ما عرضت أنها فهمت أن دعوة التوحيد تقضي"نزع السلطان الذي كان يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده كله إلى الله السلطان على الضمائر والسلطان على الشعائر، والسلطان على الحياة ..السلطان في المال ، والسلطان في القضاء والسلطان في الأرواح والأبدان" ( [290] ) .

أما بخصوص رأي لويس بانتقال السلطة من الرأي العام إلى الله ثم إلى الرسول e فأمر يخالف حقيقة الواقع فلويس مؤرخ متمرس في التاريخ الإسلامي، ولا شك أنه عرف عن بيعة العقبة الأولى والثانية وبيعة الرضوان. وأن البيعة تراض بين طرفين . وقد أورد القرآن الكريم بيعة النساء في قوله تعالى: ) يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ( الآية( [291] ) ، لاشك أن سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت حقًا دينيًا فهو المتلقي للوحي عن ربه، ولا بد للأمة أن تطيع رسولها ومع ذلك فقد كانت تلك السلطة والطاعة مع دروس في توزيع السلطة، وفي الشورى وفي تشجيع المواهب الفردية. لقد ربّى الرسول e أعظم نخبة تولت قيادة البشرية بعد أن استطاعت إسقاط إمبراطوريتي الفرس والروم. إن مشيخة القبيلة أو الأمة لا يمكن أن تكون نتائجها مثل النتائج التي تحققت على يدي الرسول e وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

ولنلتفت الآن إلى مسألة كون الحكومة الإسلامية دينية أو لا؛ فإن لويس وقع في أخطاء منهجية عديدة، منها أولًا إسقاط النظرة الغربية عند تناول الفكر السياسي الإسلامي، ففكرة الحكومة الدينية فكرة غربية إذ لم يعرف الإسلام صراعًا بين سلطة دينية وأخرى دنيوية، فقد فهم المسلمون أن الإسلام ينظم شؤون حياتهم جميعها من أدق تفاصيلها حتى مسألة الحكم والخلافة: )قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (( [292] ) . ولم يكن هذا الصراع ليقع في النصرانية لولا أن المسيح عليه السلام واجه الدولة الرومانية القوية وطائفة من اليهود الحاقدين وإلاّ فإن المسيح جاء بشريعة تجمع بين الدنيا والدين، فهو لم يلغ الشرائع التي كانت موجودة بل جاء بشريعة ليتمها.ويكملها. وأما العبارة المنسوبة للمسيح عليه السلام (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) التي يحلو للويس أن يكررها للاستدلال على الفصل بين السلطتين، فهو خطأ منهجي آخر لأنه يمارس بتر النصوص من سياقها، فإن القصة التي وردت فيها هذه العبارة تؤكد على ضرورة طاعة السلطة مهما كانت ظالمة وقد جاء في رسالة بطرس ( لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان إلاّ من الله والسلاطين الكائنين:مرتبة من الله حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله) ( [293] ) ، واستمر الصراع بين السلطتين حتى قويت الكنيسة واكتسبت سلطة ضخمة وثراء، ووصل بها الأمر إلى أن أصبحت دولة داخل دولة، وأصبح للبابا رأس الكنيسة اليد الطولى في مواجهة الحكام.

ومن أخطاء لويس المنهجية مقارنته بين الله والقيصر وهي مقارنة فاسدة، فقد تصح مثل هذه المقارنات في عقلية مشبعة بالنزعة المادية ، وكما يقول سليمان ناينق وسميرعبده أنه:"ما كان لباحث يهودي مثل لويس يفترض فيه أنه مؤمن بالله أن يجعل قيصر في درجة مع الله عز وجل. وما تعايش السلطتين عند النصارى إلاّ لأن رجال الدين النصارى اضطروا للخنوع وإلاّ فإنهم عندما قويت شوكتهم استبدوا بقيصر وحكموا عليه بالخنوع كما فعل جريجوري السابع بالملك هنري الرابع. وكانوا يجمعون الضرائب ويسيِّرون الجيوش وغير ذلك من السلطات الدنيوية" ( [294] ) .

وبالنسبة لمكانة العلماء فقد نظر لويس إلى المسألة من زاوية واحدة وبوجهة نظر معينة وأخذ يحشد لها الأدلة من هنا وهناك؛ فهذا الدين قام على العلماء، ولم يكن ثمة فرق بين العلماء والحكام ، فالخلفاء الراشدون كانوا أعلم الناس بالإسلام، وجاء بعدهم خلفاء بني أمية وكان كثير منهم على درجة عالية من الفقه والدين مثل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وعبد الملك ابن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وظل الخلفاء في الغالب على درجة طيبة من العلم بالإسلام، ولذلك كان هؤلاء يعرفون للعلماء قيمتهم ومكانتهم السامية حين كانوا ينصحون الحكام . وبلغ من مكانة العلماء ما ورد عن أبي جعفر المنصور حينما لقي سفيان الثوري فقال له"يا سفيان لم لا تأتنا فنستشيرك فما أمرتنا بشيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء تركناه"، وهنا سأله الثوري كم بلغت نفقتك في الحج - مستعظمًا تلك النفقة_ ثم ذكّره بأن نفقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة لم تزد على ثمانية عشر دينارًا.

ولمّا ولي المسلمين حكام قلت درجة معرفتهم بهذا الدين كان لا بد من وجود العلماء إلى جوارهم لتقديم النصح والتوجيه والمشورة. ولم يؤلف العلماء في التاريخ الإسلامي طبقة ترتزق بالعلم إنما عملوا في شتى مجالات الحياة حتى يخلصوا للعلم ولطلبه، وكانوا علماء وجنودًا مجاهدين وقادة. وكان منهم من وقف في وجه الحكام الظلمة حتى ابتلي عدد منهم بالسجن والتعذيب. ونحج عدد منهم في إيقاف الحكام عند حدهم ( [295] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت