فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 1037

ويكفي تدليلًا على أهمية السياسة والفكر السياسي في الإسلام أن قصة موسى عليه السلام مع فرعون وردت أكثر من سبعين مرة في القرآن الكريم وكانت في غالبها في سياقات سياسية. فمن قال إن الإسلام لا يهتم بالسياسة فما عليه إلاّ أن يطلع على هذه القصص وتفسيرها ليعرف كم هو مهم أن يعيش الناس تحت ظل حكومة تعاملهم بالعدل وترعى شؤونهم وتساوي بينهم ولا تأكل أموالهم. ألم يذكر القرآن الكريم عن فرعون قوله )ونادى فرعون في قومه أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي (( [280] ) ، وذكر طغيان فرعون في قوله تعالى:) ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرشاد (( [281] ) .

ولويس في اهتمامه بالفكر السياسي الإسلامي لا ينطلق من كونه باحث متخصص في الفقه أو الفكر السياسي أو القانون، ولكنه كتب بطريقة المؤرخ لذي يرى بعض أحداث التاريخ الإسلامي فيبحث في كتب الأحكام السلطانية والفقه ما ينطبق عليها، أو يجد فكرة في أحد كتب الفقه فيروح يبحث لها عن شواهد واستدلالات في أحداث التاريخ، وأحيانًا يكون لديه فكرة جاهزة عن المنهج الإسلامي في الحكم فيبحث في كتب التاريخ والفقه ولا يتوانى عن الرجوع إلى كتب الأدب ليبرر وجهة نظره.

أما هذا البحث فينقسم إلى ثلاثة محاور:

المحور الأول: المشروعية في الفكر السياسي الإسلامي عند لويس

المحور الثاني: العلاقات بين الفرد والدولة ف الفكر السياسي الإسلامي

المحور الثالث: لويس والحركات الإسلامية المعاصرة.

المحور الأول: المشروعية في الفكر السياسي الإسلامي.

تناول لويس مسألة المشروعية في الفكر السياسي الإسلامي من خلال حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقيامه برئاسة الأمة وحدود السلطات التي كانت له في هذا العمل. وفيما يأتي أبرز العبارات التي وردت في وصفه للرسول صلى الله عليه وسلم وسلطاته. فقد قارن لويس بين الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه"لم يمت على الصليب، وكان إلى جانب النبوة جنديًا ورجل دولة بل رئيس دولة ومؤسس إمبراطورية" ( [282] ) ، وقد وصف لويس الرسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر بأنه"شيخ الأمة لأولئك الذين آمنوا به بحق، ليست سلطته مشروطة أو مقبولة بدون اعتراضات من قبل القبيلة التي يمكن أن تسحبها في أي وقت، ولكنه حق ديني مطلق. إن مصدر السلطة انتقل من الرأي العام إلى الله الذي أناطها برسوله المختار" ( [283] ) .

وقد بحث لويس مسألة هل الحكومة الإسلامية حكومة دينية انطلاقًا من القول المنسوب لعيسى عليه السلام (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ، فهذا يؤكد في نظره على وجود سلطتين إحداهما دينية والأخرى دنيوية هما الكنيسة والدولة بينما امتزجت هاتان السلطتان في الإسلام يدل على ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد مارس القيادة السياسية والزعامة الدينية ( [284] ) .

ويواصل لويس محاولته تفسير معنى الحكومة الإسلامية حيث يتحدث عن تقليدين سياسيين في الإسلام يطلق على أحدهما التقليد"الساكن"والآخر"النشط"، وأن كلًا من التقليدين مستمدان من الكتاب والسنة. فالتقليد الساكن يتمثل في كون الرسول صلى الله عليه وسلم حاكمًا ورجلًا سياسيًا، ولكنه قبل أن يكون كذلك كان"متمردًا"و"معارضًا"للنظام الحاكم في مكة، وقاد معارضته ضد الطبقة الحاكمة الوثنية في مكة، وفي وقت من الأوقات خرج إلى المنفى وكوّن ما يمكن أن يطلق عليه في المصطلح المعاصر"حكومة المنفى"، وكان هذا العمل من قيام النبي e بالتمرد مثالًا احتذته كل الحركات الثورية في التاريخ الإسلامي ، وكان من ذلك على سبيل المثال قيام الدولة العباسية، وقيام الدولة الفاطمية ثم ثورة الخميني في العصر الحاضر ( [285] ) .

ويرى لويس أن حجة من ينفي عن الحكومة الإسلامية أن تكون حكومة دينية وذلك لعدم وجود كنيسة أو بابا أو مجالس كنسية في الإسلام، أما الذين يرون أن حكومة الإسلام دينية فيبررون ذلك بوجود نوع من عمل القسس بالمعنى الاجتماعي حيث يوجد"طبقة من العلماء المحترفين الذين اكتسبوا مكانتهم من العلم وليس من التكريس الكنسي، والذين عملوا كرجال دين من عدة نواح. ويمثل هؤلاء الله عز وجل وشريعته من النواحي العملية وبالتالي يمارسون السلطة بالمعنى الحقيقي وإن لم تكن السلطة السياسية الكاملة" ( [286] ) . ويضيف لويس قائلًا:"الإسلام من ناحية المبدأ ،وإن لم يكن في التطبيق، ثيوقراطي بمعنى آخر وأكثر عمقًا، والثيوقراطية تعنى حرفيًا حكم الله، وبهذا المعنى كانت حكومة الإسلام دينية من الناحية النظرية، ففي روما"كان قيصر هو الله"، وفي النصرانية"تعايش القيصر مع الله"، وفي الإسلام"الله هو القيصر حيث إنه وحده الرئيس الأعلى للدولة ومصدر السيادة، وهكذا صاحب التشريع، فالدولة هي دولة الله، والقانون هو قانون الله، والجيش جيش الله، وبالطبع فالأعداء هم أعداء الله" ( [287] ) ."

المناقشة

إن مكانة الرسول e عند المسلمين لا تقارن بعيسى عليه السلام فإن الأنبياء جميعًا إنما أرسلهم الله عز وجل لتطبيق شرع الله في الأرض ) وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله (( [288] ) ، ولكن تختلف ظروف رسالتهم فعيسى عليه السلام عمل تحت حكم روماني قاهر فلم يستطع أن يقف في وجه تلك الدولة، وإنما كان همه أن يعيد اليهود إلى شريعتهم مع تعديلات في هذا التشريع وفقًا لما أمره الله سبحانه وتعالى. أما رسولنا e فقد تمكن من إنشاء دولة ووضع لها الأسس والقواعد لأن رسالته هي الرسالة الخاتمة.

أما زعم لويس بتأسيس الرسول e إمبراطورية فتلك مقارنة فاسدة فالإمبراطور هو الذي يحكم دولة استعمارية توسعية لصالح شعب أو عرق كما هو الحال في الإمبراطوريات السابقة أو اللاحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت